Showing posts with label قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية". Show all posts
Showing posts with label قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية". Show all posts

12- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

Thursday, September 22, 2011

و قد أخبرني أحد أصدقائي من علماء علم الطبيعة أن الوصول إلى نظرية عامة يتطلب بطبيعة الحال استيعاب كل ما توافر لدينا من معلومات (أو أساسياته) . و لكن هذا أصبح مستحيلاً في الوقت الحاضر (تضاعفت المعرفة الإنسانية منذ بداية التاريخ حتى عام 1750 ، ثم تضاعفت مرة أخرى من عام 1750 - 1900 ، ثم تضاعفت مرة ثالثة في الفترة من 1900 - 1950 ، ثم أصبحت تتضاعف كل عشر سنوات ابتداءً من 1950 - 1990 ، و الآن تتضاعف كل خمس سنوات ) . فأخبرته : "ماذا لو وضعنا كل المعرفة الإنسانية على جهاز كومبيوتر ضخم ؟ " قال " ستظل هناك مشكلة استرداد هذه المعلومات " . و أخبرني آخر أن هناك إشكاليات في العلم نعرف أنه يمكن حلها "نظرياً" و لكن يتطلب ذلك أن يعمل الجيل الحالي من آلات الكومبيوتر و الجيل الذي يليه لفترة قد تستغرق آلاف السنين و ربما كل ما تبقى من سنوات للنوع الإنساني على وجه الأرض . إن محدودية العقل البشري من ناحية و تكدس المعلومات و الحقائق العلمية من ناحية أخرى قد جعل من العمل الجماعي التعاوني ضرورة لا محيد عنها في مجال البحث العلمي ، في الوقت الذي لا يمكن فيه للكشف العلمي إلا أن يكون فردياً ، و هذه هي المعادلة الصعبة : فرد واحد لا يستطيع أن يستوعب نتائج العلوم لكثرتها و تشعبها ، و فرد واحد هو الذي ينبغي أن يتوصل إلى كشف علمي أو نظرية واحدة - كنظرية النسبية - لتفسير النتائج التي توصلت إليها العلوم المختلفة .


و قد اتسع عالمنا على مستوى الماكرو( الأجرام - النجوم - الكون) و على مستوى المايكرو (الذرة - الجزئ - ..إلخ) . و اتسع نطاق المعرفة بشكل غير مسبوق . فإذا أضفنا إلى هذا مسألة التخصص الدقيقي ( و هي أن العالم الحقيقي هو الذي يعرف مجال تخصصه تمام المعرفة) فإننا تدريجياً نواجه العالم المتخصص الذي يعرف الكثير عن تخصصه الضيق و يجهل الكثير عن أي شئ آخر (فالعقل الإنساني غير قادر على استيعاب كحل شئ) . و قد قال أحدهم مازحاً إن التخصص هو أن تزداد معرفة بموضوع تخصصك الضيق ، ثم تزداد المعرفة اتساعاً و الموضوع ضيقاً إلى أن تعرف كل شئ عن لا شئ !

11- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

Thursday, August 4, 2011
‫الإمبريالية : مذهب سياسي يبرر حق اللجوء إلى القوة لإنشاء إمبراطورية بقصد التوسع والسيطرة على عدة شعوب مختلفة عرقيا وثقافيا , وإخضاعها بدرجات متفاوتة , لسلطة معينة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

و عنها يكتب عبد الوهاب المسيري :


كان من المحتم أن ترتطم الإمبريالية العسكرية بحدود المكان لأسباب كثيرة. فهي في نهاية الأمر تمدد جغرافي، يصل منتهاه بالاستيلاء على كل أسواق العالم كما حدث مع بداية القرن العشرين.

وقد أدركت القوى الإمبريالية الغربية كذلك أن استنزاف المصادر الطبيعية في آسيا وأفريقيا وكل أطراف المعمورة قد تزايد، تماما مثل التزاحم على الأسواق، وأن تكلفة المواجهة العسكرية مع شعوب العالم الثالث (وهي الآلية التي تستخدمها الإمبريالية التقليدية لاستعباد الشعوب واستغلالها وتحويلها إلى مادة استعمالية) أصبحت باهظة.

وقد أدركت الإمبريالية العسكرية كذلك أنه مع انتقال المجتمعات الغربية من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة تراجعت ما أسميها "النزعة الجهادية" عند الشباب الغربي.

ففي مرحلة الصلابة كان المواطن في الغرب يؤمن بأسبقية المجتمع على الفرد، فظهرت مفاهيم مثل التضحية والإيمان بالوطن وضرورة الدفاع عنه.

وفي هذا الإطار أيضا ظهرت مفاهيم مثل تفوق الرجل الأبيض والإمبريالية التقليدية المبنية على المواجهة العسكرية.

ثم انتقلت هذه المجتمعات إلى مرحلة السيولة حيث يؤمن المواطن بأسبقية الفرد على المجتمع، ولذا تظهر مفاهيم مثل المصلحة الشخصية والمنفعة والخلاص من خلال السلطة واللذة، وما سمّاه أحد علماء الاجتماع حضارة الأنا، ولم يعد الشباب مكترثاً بمفاهيم مثالية مثل "الكفاح من أجل الوطن" و"التضحية من أجله".

فأحكمت الحضارة الاستهلاكية قبضتها عليه. لكل هذا وجدت القوى الإمبريالية بعد ارتطامها بحدود السوق العالمي وبعد اكتشاف عجزها عن المواجهة العسكرية، أن المخرج الوحيد لها هو نشر النزعة الاستهلاكية في بقية أنحاء العالم.

قررت الإمبريالية الغربية توسيع رقعة السوق لا عن طريق الانتشار الأفقي في الخارج (الذي يتطلب القوة العسكرية) وإنما عن طريق الانتشار الرأسي داخل النفس البشرية ذاتها، التي تتحول إلى سوق دائم الاتساع، .

. والهدف من الإنتاج من منظور الإمبريالية النفسية هو الاستهلاك، والهدف من تزايد الإنتاج هو تزايد الاستهلاك، وحياة المرء تكتسب معنى إن هو استهلك، ومزيدا من المعنى إن هو صعَّد من استهلاكه (وقد عرفت التنمية والحداثة بأنها ثورة التوقعات المتزايدة!).

أحد المفكرين الغربيين صرح بأن المجتمعات الاستهلاكية لا يهمها المعنى ولا تبحث عنه، فالسلعة تصبح هي البداية والنهاية وهي مركز الوجود، بل وهي التي تضفي معنى على حياة الإنسان الاستهلاكي، ومن هنا مصطلح الذي يعني أن السلعة تزيح الإنسان من مركز الكون لتحل محله، وتصبح السلعة أكثر أهمية من الإنسان.

وتوجد مصطلحات شبه مترادفة مع هذا المصطلح مثل "التوثن وهي تعني أن الأشياء (بما في ذلك السلع) تتحول إلى أوثان يتعبد الإنسان في محرابها بعد إزاحته من مركز الكون، ونفس الأمر ينطبق على مصطلح "التشيؤ ثمة مصطلح في علم الاجتماع الغربي هو أي "نزع الأسرار والأسطورة عن الإنسان"، وهذا ما تفعله الإمبريالية النفسية فهي تحاصر النفس البشرية بثورة التوقعات والتطلعات التي لا تنتهي.

وحيث إن الإنسان يقف عاريا ضعيفا وحيدا أمام ما أسميه قطاع اللذة في المجتمعات الحديثة التي تنظر للإنسان باعتباره مجموعة من الدوافع والحاجات الجسدية التي يمكن الوفاء بها، يصبح من السهل ترشيده وتدجينه وتنميطه فيدخل الآلة الاستهلاكية الجهنمية بعد أن يلقى في روعه أن السلع لا تحقق منفعته و حسب، بل سعادته، أي لذته أيضا.

وأنه كي تكتمل سعادته، وكي يحقق ذاته لابد من شراء سيارة جديدة كل عام، ولابد له من شراء قميص من النوع الفلاني وأحذية من النوع العلاني، ومن ثم تتحول كثير من الكماليات إلى ضروريات لا تكتمل السعادة في الحياة الدنيا بدونها.

بل إن بناء المدن الغربية يُجسِّد هذه الرؤية الإمبريالية من طرقات تهدف إلى تعظيم السرعة، إلى حركة يومية تبدد فيها الطاقة الإنسانية والطبيعية ويُلوَث فيها الجو، ويدور فيها كل شيء حول السوق والسلع.

في الماضي كانت "الحاجة هى أم الاختراع"، أما في إطار الإمبريالية النفسية فأصبح "الاختراع هو أبو الحاجة"، إذ لابد أن تظهر سلعة جديدة كل يوم. ومن هنا يدخل الإنسان دائرة الإنتاج التي لا هدف لها والآخذة في الاتساع إلى ما لا نهاية

10- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

‫وقد كتبت مقالاً أدبياً اجتماعيا عنوانه " الفتيان الغرباء الروح " . و قد تناول المقال في بدايته بنية العمل الأدبي ، ثم تناول عدة قصص قصيرة من بينها قصة الطيب صالح " دومة ود حامد" . و ينتمي راوي القصة إلى المجتمع التقليدي ، أما الغريب العصري " الفتى غريب الروح" فهو لا يفعل شيئاً سوى أن يستمع بأدب جم لحديث الراوي .

يبدأ الراوي برسم صورة قاتمة لمجتمع القرية التقليدي الذي تغطيه أسراب النمتة شتاءً ، و يهجم عليه ذباب البقر صيفاً ، أما إذا كان الوقت لا صيفاً و لا شتاءً ، فلا تجد شيئاً . نحن ننام حين يسكن الطير ، و يمتنع الذباب عن مشاكسة البقر ، و تستقر أوراق الشجر على حال واحد ، و تضم الدجاج أجنحتها على صغارها ، و ترقد الماعز على جنوبها تجتر ما جمعته في يومها من علف . نحن و حيواتنا سواء بسواء نصحو حين تصحو و ننام حين تنام ، و أنفاسنا جميعاً تتصاعد بتدبير واحد . أما في المدينة فالأمر جد مختلف إذ يمكن للمرء أن يسمع الإذاعة و يذهب إلى السينما و أن يتمتع بنور الكهرباء ، و في تنغيم لفظي ينم عن الانتماء الكامل للعالم التقليدي يقول الراوي للشاب اليافع إنه و لا شك سيرحل عن هذه القرية التي يعيش فيها الناس "على الستر " ، قوم أصبحت جلودهم ثخينة من فرط المشقة ،و لكنهم اعتادوا هذه الحياة ، بل هم في الواقع يحبونها .

نعم سيرحل الشاب ، و لكن الراوي يريد أن يريه شيئاً واحداً جوهرياً : "شيئاً واحداً نصر أن يراه زوارنا" . إنها بمنزلة المتحف ، و إذا كان المتحف هو المكان الذي يحفظ فيه "تاريخ القطر و الأمجاد السالفة " فإن هذا الشئ و لا شك له دلالة مماثلة ، إنها دومة ود حامد ، شجرة تقف شامخة برأسها إلى السماء و كأنها صنم قديم ، أو مهر جامح ، ضربت بعروقها في الأرض ، ترسل بظلها على النهر تارة و على الأرض المزروعة تارة أخرى و كأنها "عقاب خرافي باسط جناحيه على البلد بكل ما فيها " . و الدومة لم يزرعها أحد ، بل نمت وحدها ، و لذا كل جيل يجيء يجد الدومة كأنما ولدت مع مولده و نمت معه . و لمِ لا و الدومة تقف في عقل أهل القرية ، تظهر لهم في أحلامهم و يقومون بزيارتها كل يوم أربعاء ليذبحوا نذورهم و هي تستجيب لدعائهم و تنجز لهم المعجزات ، كأن تشفي المرضى الذين استعصى عليهم الداء أو الذين لا يمنكنهم الوصول إلى الطبيب في المدينة .

الدومة إذن رمز لجماعة تقليدية ، متماسكة الأطراف ، مؤمنة بالأسطورة ، و لكنها مع هذا لها تاريخ ، يقصه الراوي على هذا الشاب اليافع . فالعصر الحديث لا يترك القرية و شأنها ، إذ تقرر الحكومة "الاستعمارية" "إقامة مكنة للماء" في موضع الدومة ، و لكن أهل القرية هبوا عن آخرهم هبة رجل واحد .. و أعانهم الذباب أيضاً : "ذباب البقر" فطردوا مندوب الحكومة " و لم تأت مكنة ماء و لم يأت مشروع .. و لكن بقيت لنا دومتنا" . ثم جاء الحكم الوطني و قرر أن ينشئ محطة تقف عندها الباخرة لتوفر على السكان مشقة السفر نصف يوم كامل للوصول إلى المحطة في البلدة المجاورة ، و لكن حينما يحضر مندوب الحكومة بالنبأ السعيد لا يقابل بالترحاب و إنما بوجوه مترقبة لأن الباخرة تمر عليهم يوم الأربعاء و أخبرهم الموظف أن الموعد الذي سيحدد لوقوف الباخرة في محطتهم سيكون في الرابعة بعد الظهر ، الوقت الذي تزور فيه القرية ضريح ود حامد عند الدومة " ونأخذ نسائنا و أطفالنا ، و نذبح نذورنا ؛ نفعل ذلك كل أسبوع ، و حينما طلب منهم الموظف تغيير يوم الزيارة وقعت الواقعة! و لا تقف الباخرة عند القرية و لا يزال أهلها يذبحون نذورهم كل يوم أربعاء "كما فعل آباؤنا و آباء آبائنا من قبلنا" . و ليكن الأمس مثل الغد ، و بدلاًِ من التطور ندور في حلقات .

و يبدو أن الحكومة الوطنية "الديموقراطية " حلت محلها حكومة وطنية مستبدة و قوية قررت إنشاء المحطة و إزالة الدومة بالقوة ، فقاوم أهل القرية فزُج بعشرين منهم في السجن ، ثم أفرج عنهم فجأة و وجدوا أنفسهم أبطالاً شعبيين . إذ إن الحكومة الوطنية العسكرية حل محلها حكومة وطنية جديدة ديموقراطية ، تحترم حقوق الإنسان ، و وجد أبطال القرية أنفسهم وسط الخطب الرنانة النارية المعتادة . و حضر الرؤساء و النواب و أقاموا نصباً تذارياً تحت الشجرة و استنكروا طغيان الحكومة التي تتدخل في
معتقدات الناس ، في أقدس الأشياء المقدسة عندهم ، و من الخطب تعلم أن دومة ود حامد كانت السبب في سقوط الحكوم،ة المستبدة و بذا أصبحت "دومة ود حامد رمزاً ليقظة الشعب" . و الوصف هنا مفعم بالسخرية ، فهذا العالم الجديد الذي ينقض على القرية و دومتها و أهلها لا يكترث بها كثيراً و لا يحترم علاقاتها الإنسانية الوثيقة .

و لذا بعد الخطب و النصب "عادت حياتنا إلى سيرتها الأولى لا مكنة ماء ، و لا مشروع زراعة ، و لا محطة باخرة . و بقيت لنا دومتنا تلقي ظلها على الشاطئ القبلي عصراً ، و يمتد ظلها وقت الضحى فوق الحقول و البيوت حتى يصل إلى المقبرة و النهر يجري تحتها كأنه أفعى مقدسة من أفاعي الأساطير". و هذه هي نفس الكلمات التي استخدمها الراوي في وصف الدومة في بداية القصة . لم يزد على الدومة سوى نصب رخامي و سور حديدي و قبة ذات أهلة مذهبة نتيجة لمحاولات الحكومة الوطنية الجديدة أن تكسب تأييداً شعبياً ، فبين الحكومة الاستعمارية و الوطنية و الوطنية المستبدة، و الوطنية الديموقراطية الجديدة ، لم تكن القرية و أهلها و دومتها سوى شئ أو موضوع ، و ليس كياناً إنسانياً حياً له قوانينه الخاصة يجب العامل معه باحترام .

و في نهاية القصة يتفوه الغريب العصري ببضع كلمات سائلاً عن الطلمبة و المشروع و المحطة ، و متى سيمكن إنشاؤها ، " حين ينام الناس فلا يرون الدومة في أحلامهم ، و متى يكون ذلك" . هنا يخبرنا الراوي تفاصيل من حياته ، تدل على أن الصراع بين الجديد و القديم ليس خارجياً ، و إنما يدور داخل القرية ذاتها ، إذ نعرف من الراوي أن ابنه قد هرب إلى المدينة و دخل المدرسة رغم أنفه ، و مع هذا " إنني أدعو أن يبقى حيث هو فلا يعود" ثم يعبر عن رغبته في أن يتكاثر أمثاله في القرية "الفتيات الغرباء الروح فلعلنا حينئذ نقيم مكنة الماء و المشروع الزراعي .. لعل الباخرة حينئذ تقف عندنا .. تحت دومة ود حامد".

و لكن ماذا عن الدومة ، هذا الصنم ، إله المكان ، هل تجتث من مكانها ؟ فيجيب الراوي " لن تكون ثمة ضرورة لقطع الدومة . ليس ثمة داعٍ لإزالة الضريح . الأمر الذي فات على هؤلاء الناس جميعاً أن المكان يتسع لكل هذه الأشياء ، يتسع للدومة و الضريح و مكنة الماء و محطة الباخرة".

إن الراوي التقليدي يتحدث مع الغريب العصري ، و يطرح على مستوى الرؤية و النظرية ، إمكانية التصالح بين الماضي و المستقبل حتى لا ننتهي إلى ماضٍ دون مستقبل"كما حدث للقرية" أو مستقبل دون ماضٍ ، كما يحدث في بلدان الغرب.

و تنهتي قصة الطيب صالح بالراوي ينظر إلى الغريب الجديد نظرة "لا أدري كيف أصنفها و لكنها أثارت في نفسي شعوراً بالحزن ، الحزن على أمر مبهم لم أستطع تحديده " و لكننا يمكننا التخمين ، نعم . سيتزاوج القديم و الحديث ، و سينشأ العالم المركب .. و ستظلل الدومة كلاً من القرية و المكنة ، و لكن الراوي يعلم جيداً أن عالمه هو - بكل عظمته و ضيق أفقه- سيمر و يذوي و لن يبقى منه سوى الذكرى.‬

9- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

‫و حين لاحظت تصاعد معدلات الاستهلاكية في المجتمعات الغربية كنت أظن في بداية الأمر أن الهدف من زيادة الاستهلاك هو زيادة الإنتاج ، و هي بالفعل كذلك . و لكن حينما تعمقت في الأمر قليلاً وجدت أنها تهدف أيضاً للترشيد في الإطار المادي و الضبط الإجتماعي و تنميط المجتمع . فتصعيد معدلات الاستهلاكية ، و جعل هذه المعدلات هي المقياس الذي يحدد الإنسان من خلاله مدى سعادته و مكانته الاجتماعية ، هو شكل من أشكال الترشيد الجواني . فالاستهلاكية (وصورة الإنسان الاستهلاكي التي تروج لها من خلال الإعلانات التليفزيونية و أفلام السينيما) تحدد للفرد كل شئ و لا تتركه يحلم أحلاماً خاصة ، و لا أن يسلك سلوكاً خاصاً.

و الموضة (أي الأزياء) التي أصبحت واحدة من أهم الصناعات و أضخمها أكبر دليل على ذلك . فالهدف المعلن من تغيير الأزياء هو إعطاء فرصة للمرأة أن تجدد ملابسها و تغيرها حسبما يروق لهافتعبر عن ذاتها .
و لكنك لو دققت في الأمر لوجدت أنه لو أن كل امرأة أطلقت فعلاً لخيالها العنان و عبرت عن ذاتيتها خارج كل حدود و قيود و سدود فإن مصانع الملابس الحريمي ستتوقف عن الدوران لأن سلوك المرأة لن يمكن التنبؤ به ، و لن يمكن للاحتكارات أن تعد خطوط الإنتاج المليونية ! هنا تأتي مهمة الأزياء ، في أنها تقوم بضبط سلوك المرأة فتصنع لها الخطوط الأساسية التي تتحرك داخلها (الفستان الطويل الأخضر هو الموضة هذا العام ، أما العام الذي يليه فهو القصير الأزرق ، و في العام الثالث فإنه إما أن يكون كذا أو كذا ، و دوخيني يا لمونة ) و بذلك يمكن التنبؤ بسلوكها و استيعابها و استيعاب أحلامها داخل خطوط الإنتاج‬

8- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

‫كت مرة أجلس أمام التليفزيون البريطاني و شاهدت برنامجاً من برامج الأحاديث (توك شو) . و كان يجلس على المنصة رجل و زوجته و أطفالهما ، مع إضافة بسيطة للغاية و هو عشيق الرجل (نعم عشيقه لا عشيقته) الذي يعيش معهم تحت سقف نفس المنزل ، و لكن بموافقة الزوجة و الأطفال .

و قد واجه الجمهور إشكالية حقيقية ، و هي أن جميع أعضاء الأسرة موافقون على هذا الوضع الشاذ . فمن ناحية توجد الموافقة (وهي الشرط الأساسي و الوحيد لأي علاقة جنسية في العالم الغربي) فهي ممارسة جنسية تتم باتفاق و لذا فهي شرعية لا شأن للمجتمع بها) و من ناحية أخرى يوجد الشذوذ الذي يسم هذا الوضع ! و لكن لا توجد أرضية متجاوزة دينية أو أخلاقية أو إنسانية يؤمن بها الجميع و يمكن الوقوف عليها و الإهابة بها ، و يمكن أن تزودهم بمعيارية ما . لكل هذا كلما كان أحد الحاضرين يحتج على شئ ، كان الزوج ، الذي أحضر عشيقه ليعيش معه يرد بكل ثقة ، بأن زوجته موافقة و سعيدة و أنا أولاده أيضاً موافقون و سعداء ، و أي تدخل في شئونهم سيكون إهداراً لحريتهم و لحقهم في الاختيار .

و يبدو أنهم في الغرب يشجعون الآن قيمتين أساسيتين حولوهما إلى معيارين : الحساسية و اتساع الأفق ، بمعنى أن الإنسان يجب أن يكون حساساً تجاه الآخرين و لا يؤذي مشاعرهم بأي شكل ، بل عليه أن يتحلى بسعة الأفق و أن يتقبل كل أشكال السلوك مهما كانت غرابتها و شذوذها ، و غني عن القول أن مثل هذه المعايير تفتح الباب على مصراعيه لتقبل كل شئ و أشئ ، فمن يحب أن يوصف بأنه غليظ القلب ضيق الأفق؟!

ظل النقاش دائراً على شكل حلقتين كل حلقة فيهما مغلقة على نفسها ، إلى أن اكتشف أحد الحاضرين الأطفال و أنهم ليسوا في سن يسمح لهم بالاختيار .. و تنفس الجمهور الصعداء ، إذ وجدو أرضية فلسفية تستند إلى حرية الاختيار ، و لكنها في الوقت نفسه تعطيهم الحق في الهجوم على الشذوذ ، فشنوا هجوماً بشجاعة بالغة ، و لزم الرجل و عشيقه الصمت . و لكن المذيع ، حتى يستعيد المنظور النسبي ، قال : " برغم كل شئ لابد أن نهنئ فلاناً و فلاناً على شجاعتيهما و قبولهما الحضور لهذا البرنامج"

7- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

طلب مني أحد كبار المؤرخين الأمريكيين السود أن أكتب دراسة عن دور الإسلام في حياة مالكوم إكس ، لم أكن أعرف الكثير عن الإسلام ( إلا ما يعرفه أي مسلم يمارس شعائر عقيدته دون تعمق في الأبعاد الفلسفية و المعرفية ) . و لكن بعد قراءة سيرة مالكوم إكس ( الحاج مالك الشباز ) أدركت مدى عمق أثر الإسلام فيه كمثالية مجاوزة لعالم المادة ، كما أدركت دور الإسلام التنويري التثويري في حياته . كان مالكوم إكس يعمل قوداً و مهرباً للمخدرات ، أي أنه كان يعيش مستوعباً بشكل شبه كامل في مجتمعه الأمريكي ، خاضعاً تماماً للدولارية (هكذا كان يشير إلى النظام الرأسمالي) . و حينما دخل السجن قام المسلمون السود بإقناعه بالدخول في الإسلام ففعل . و بدأت حياته في التغير . و بدأ يدرك عالمية رؤية الإسلام للإله ، و الطبيعة الفريدة لله باعتباره بعيداً كل البعد ، قريباً كل القرب في آنٍ واحد ، كما أدرك الحاج مالك الشباز الطبيعة الجماعية للإسلام (في مقابل الفردية الأنانية في المجتمع الأمريكي) و رفضه للتجسيد و العنصرية . و تصل السيرة الذاتية إلى لحظة القمة ، التحول الثوري الكامل ، في أثناء حجه إلى مكة ، في عالم البراءة الجديد ، في مدينة مكة المكرمة ، حيث يكتشف نزعات مثالية داخله ، كما يكتشف إمكانية تحقيق المساواة دون إلغاء التنوع ، و حينما شعر بذلك تجاوز الحاج مالك رفضه للبيض ، و عاد إلى الولايات المتحدة لينظم حزباً جديداً يجمع بين البيض و السود في رفضهم للدولارية ، فحصدته الرصاصات الغادرة ..

6- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

‫بدلاً من أن أذهب إلى انجلترا ، ذهبت إلى الولايات المتحدة للدراسة عام 1963 و في البداية قضيت شهراً في جامعة بيل ، و عند وصولي عقدوا للطلبة الدارسين امتحاناً "موضوعياً" تكون فيه الإجابة إما بنعم أو لا لتحديد مستواهم الثقافي و اللغوي . فقضيت وقتاً طويلاً في تأمل الأسئلة ، و كنت أجد أن الإجابة الصحيحة أو الذكية لا هي بنعم و لا بلا ، و إنما تقع بينهما . و كانت النتيجة بطبيعة الحال الفشل الذريع بدرجة رسوب لا نظير لها . و قد تقرر بناء على هذا الامتحان أن أدرس اللغة الإنجليزية لمدة عامين قبل أن ألتحق ببرنامج الدراسات العليا . و لكنني مرة أخرى نظراً لثقتي بنفسي أخبرتهم أن الخلل ليس فيّ و إنما في الامتحان ، فهو امتحان سخيف لا يقيس مقدرات الطالب الحقيقية و إنما سرعة بديهته و استجابته ، و أن السرعة غير العمق . كما بينت لهم أنني لم يسبق لي أن أخذت امتحاناً وُضعت فيه الأسئلة بهذه الطريقة ، ففي جامعة الإسكندرية كانت الإجابة على أسئلة الامتحان كلها على هيئة مقالات . و أكدت لهم أن أدائي سيكون مختلفاً تماماً . و بالفعل قرروا أن يجربوا معي مرة أخرى ، و فوجئوا أنني حصلت على أعلى درجة بين المتقدمين . و كانت هذه من أولى المواجهات بيني و بين الحضارة الأمريكية بسذاجتها و أحاديتها و خيلائها
:‬

5- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

‫أذكر أنه في امتحان أدب القرن السابع عشر كان هناك سؤال عن مصادر شخصية الشيطان و الموت و الخطيئة في ملحمة الفردوس المفقود لجون ميلتون . أمسكت بأطراف شجاعتي و قارنت بين لندن التي عاش فيها جون ميلتون و دمنهور التي عشت فيها ( و التي رأيت فيها مواكب الحرفيين حتى الخمسينات و التي تعود و لا شك إلى عصور سابقة ) . و قد عممت من تجربتي ، أو على الأقل استخلصت منها نموذجاً تفسيرياً لدراسة ميلتون ، فبينت أن حينما كتب الشاعر الإنجليزي ملحمته كان عصر النهضة قد بدأ بالفعل منذ قرن و نصف قرن ، بل و كان قد بدأ يخبو و بدأت تظهر تباشير عصر العقل و الاستنارة . و لكنني أشرت إلى أن الرأي السائد (آنذاك) الخاص بأن العصور الوسطى المظلمة اختفت في اليوم التالي تقريباً لعصر النهضة هو اختزال مخل للأمور ، لأن الأشكال الحضارية لا تختفي مع التحولات الاقتصادية و السياسية و الفكرية ، بل إنها تستمر قروناً طويلة ، و لذا ، مع إن ميلتون كان يعيش حقاً في أواخر عصر النهضة إلا أنه يحتمل أن يكون قد احتك بشكل يومي بكثير من الأشكال الحضارية من العصر الوسيط ( تلك الأشكال التي استمرت لعدة قرون بعد عصر النهضة ) . و من بين هذه الأشكال المسرحيات الدينية مثل مسرحيات الأخلاق و هي مسرحيات كانت مليئة بشخصيات مسطحة تشبيهية مثل الشيطان و الموت و الخطيئة و التي كانت لا تزال تمثَّل في أرجاء لندن . و لابد أنه تأثر بها و استوعبها و رسم بعض شخصياته بوحي منها

فوجئت بأن البروفيسور قد أعطاني النهاية العظمى ، بل و أخبرني فيما بعد أنه لو كان بوسعه أن يعطيني أكثر من هذا لفعل ، إذ أن ما قلته كان جديداً تماماً ، و أضاف أن العالم الإنجليزي تيليارد كان قد كتب لتوه دراسة تطرح مثل هذه الرؤية صدرت منذ شهر و أنه متأكد من أنني لم أقرأها ، و أنني توصلت إلى ما توصلت إليه من خلال تجربتي ، و ازدادت جرأتي بعد تلك الواقعة ، و تعلمت كيف أستند إلى تجربتي الخاصة و لا أنكرها و إلى تراثي و لا أتنكر له ، بل أوظفهما في عملية الإدراك و التفسير ، كما ازددت إيماناً بمقدرة العقل و الخيال على التوليد


:
:

و يستعرض في حديثه عن تجربته المادية و الماركسية أبيات تأثر بها للشاعر كامل الشناوي تقول :

وندب فوق الأرض لا ندرى بها
وندب فوق الأرض لا تدرى بنا
أنا من أنا ؟
أنا من أكون ؟ وسيلةً أم غايةً ؟
أنا لست أعرف من أنا
وهم يساور ملحداً فيروعه
و يخافه من كان مثلي مؤمنا


:
:


أنا لا أمانع في وجود قدر من النرجسية عند البشر ، فهذا أمر أساسي بالنسبة لهم ، و خصوصاً بالنسبة للثائر ، فالنرجسية آلية نفسية يدافع من خلالها عن نفسه ضد مجتمع يود ابتلاعه


:
:

الصورة لـ
tomislav moze 2008‬

4- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

‫أخبرتني أمي أنني حين كنت طفلا في الثالثة أو الرابعة وجدوني أسير بمفردي في الشرفة المطلة على حديقة منزلنا ، وقد وضعت إطار نظارة قديماً ، و وضعت ورقة ملفوفة في فمي على هيئة سيجارة : أمسكت السيجارة بيد و وضعت الأخرى خلف ظهري ، و أخذت أذرع الشرفة ذهاباً و إياباً بجدية واضحة .. و حينما سألوني عما أفعل أخبرتهم أني قررت أن أصبح دكتوراً ( لعلي رأيت الدكتور كامل طبيب العائلة في الليلة السابقة ، و رأيت الأسرة كلها تستمع نصائحة و إرشاداته ) .

و لعل هذه هي أول مرة قمت فيها بطقوس الانفصال عن بيئتي التجارية تعبيراً عن رغبتي في أن أصبح شيئاً آخر ، و طقوس الانفصال في بدايتها دائماً مفتعلة و مسرحية (إذ يؤمن الإنسان بالنموذج قبل أن يتحقق في الواقع) و بخاصة في المجتمعات التقليدية حيث يهيمن النموذج السائد و لا يقبل أي تحديات جوهرية . (و لذا كنت أشجع طالباتي من "مدعيات الثقافة" على الاستمرار في الادعاء ، و أزعم أنني أصدقهن تماماً على أمل أن يتحول الادعاء فيما بعد قليل إلى طبيعة ثانية ، ثم أخيراً إلى سليقة )‬

3- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

‫أرجو ألا يفهم مما أقول أنني أدعو إلى العودة إلى الماضي ( فهذا على كلٍ مستحيل ) إذ إنني لا أنكر -كما أسلفت- وجود جوانب مظلمة للمجتمع التقليدي ( فمثل هذا الإنكار أمر طفولي ) كل ما أود تأكيده هو أن المجتمعات التقليدية كانت تحوي منظومات قيمية و جمالية لم يؤد تقويضها و تدميرها بالضرورة إلى مزيد من السعادة ، كما أود الإشارة إلى أن الأشكال الحضارية الحديثة ( عادة المستوردة ) ليست هي الأشكال الوحيدة ، بل هناك أشكال أخرى قد تكون أكثر ثراء و أكثر دفئاً ، و الأهم من هذا أنها قد تكون أكثر تجذراً ، و ضياع مثل هذه الأشكال هو خسارة حقيقية


:
:


يقول واصفاً أحد الأطباء :

هو طبيب متواضع واثق بنفسه دون خيلاء العلم : يتعامل مع المعلوم ، و لكنه يدرك أن هناك مجهولاً


:
:

إلى هنا نكون قد أنهينا الفصل الأول من جزء " التكوين " ، و نبدأ معكم غداً القراءة في الفصل الثاني و عنوانه " بداية الهوية "

دمتم مستنيرين منيرين
:)‬

2- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

‫كانت مسألة عمل المرأة في المنزل مسألة معترفاً بها اجتماعياً ، يقدرها المجتمع حق التقدير ، على عكس ماهو حادث الآن : فلو سألت أمّاً ماذا تعمل ، لقالت : "لا شئ" ، بحسبان أن "العمل" أصبح هو ما يقوم به المرء في مجال الحياة العامة و يتقاضى عنه أجراً ، و كلا هذين الشرطين لا ينطبق على الأمومة !

:
:

و يقول عن مقهى في دمنهور يرتاده المثقفون :

بعد دخولي الجامعة أصبحت عضواً أساسياً في تلك الجماعة التي كانت تلتقي في المقهى ، في جو كله مودة و دون استقطابات أيديولوجية و دون خوف أو وجل من التجريب أو الخطأ ، فالمرء أمام أصدقائه لا يدعي و لا يضطر إلى موازنة الأمور ، بل يعبر عما بداخله في جرأة ، و هو يعرف أن ما سيقوله سيقابل إما بالإعجاب و إما بالضحك و السخرية ، و سخرية الأصدقاء مفعمة بالحب ، على عكس المؤتمرات العامة التي أصبحت فضاءات زمانية و مساحات مكانية تلقى فيها أوراق طويلة تسمى "بحوثاً" أعدت بعناية مسبقاً ، توثق فيها أحياناً البديهيات ، أو يظل الكاتب يوازن نفسه حتى لا يقول شيئاً ! و هو يبذل قصارى جهده ألا يجرب و ألا يخطئ و ألا يترك ثغرة في بحثه قد يحاسب عليها . و هو عادة ما يلقي بحثه أمام جمهرة من الأساتذة لا يعرفهم و لا يعرفونه ، و في إطار جو من التربص العام !

:
:

هل يمكن أن ندخل العصر الحديث و ننفض عن أنفسنا رتابة المجتمع التقليدي و اتجاهه نحو تكرار نفسه ؟ هل يمكن أن نفعل هذا دون أن نضيع تلك العناصر الإيجابية التي يتسم بها المجتمع التقليدي ؟ هل يمكن أن ندخل المستقبل و معنا ماضينا ؟ نحمله كهوية و ذات تحررنا من اللحظة المباشرة ، و تحفظ لنا خصوصيتنا ، و تساعدنا على أن نجد اتجاهاتنا ، لا كعبء يثقل كاهلنا ؟

1- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

أزعم أن المطلوب ليس "تحرير المرأة" و إنما تقييد الرجل" ، فالذي حدث أن حركة الرجل في العصر الحديث قد زادت بشكل غير إنساني ، مما يعني بعده و غيابه عن المنزل ، فيقع عبء تنشئة الأطفال على كاهل الأم وحدها إلى جانب أعبائها الأخرى


:
:

و يقول متحدثاً عن الأعراف الاجتماعية في بلدته دمنهور :

كان المجتمع يحدد كيف تقام الأفراح و الجنازات ، كما كان يحدد المدة المسموح بها للفرح و الحزن ، كل شئ يتبع إيقاعاً صارماً لا يلحظه أحد لأنه تم استنباطه تماماً ، و توحد به الجميع ، كان الفرح في دمنهور مناسبة اجتماعية ، فإذا كان الفرح من أفراح الأثرياء فهذه كانت مناسبة يفرح فيها الجميع ، إذ كانت الولائم تقام للجميع ليأكلوا و يشبعوا ، فيما يشبه موائد الرحمن ، و توزع علب الحلوى على الجميع ، على عكس أفراح هذا الزمان التي تتطلب استيراد الطعام من الخارج (لحم النعام و الغزال و الجرجير السويسري على سبيل المثال ) ليهنأ به الضيوف في الداخل ،

و من هنا يتطلب الأمر استدعاء قوات الأمن المركزي لتفريق المتظاهرين الفقراء في الخارج ! فالفرح أصبح هو اللحظة غير الإنسانية التي يتم فيها استعراض الثروة و التباهي بها و تزداد فيها حدة الصراع الطبقي ، بعد أن كان اللحظة الإنسانية التي يتم فيها إسقاط الحدود الاجتماعية مؤقتاً ، و يتم تقليل حدة الصراع الطبقي ليعبر الجميع عن إنسانيتهم المشتركة


:
:


و في موضع آخر من الكتاب ، تحدث المسيري عن "تعاظم الفجوة بين الأجيال مما يؤدي لعدم توارث الحكمة و المعرفة " باعتبار ذلك من الأسباب التي دعته لكتابة سيرته ، هل يمكن أن نقرأ يوماً سيرتك أنت .. المكتوبة بدافع توريث الحكمة و المعرفة ؟