10- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

Thursday, August 4, 2011
‫وقد كتبت مقالاً أدبياً اجتماعيا عنوانه " الفتيان الغرباء الروح " . و قد تناول المقال في بدايته بنية العمل الأدبي ، ثم تناول عدة قصص قصيرة من بينها قصة الطيب صالح " دومة ود حامد" . و ينتمي راوي القصة إلى المجتمع التقليدي ، أما الغريب العصري " الفتى غريب الروح" فهو لا يفعل شيئاً سوى أن يستمع بأدب جم لحديث الراوي .

يبدأ الراوي برسم صورة قاتمة لمجتمع القرية التقليدي الذي تغطيه أسراب النمتة شتاءً ، و يهجم عليه ذباب البقر صيفاً ، أما إذا كان الوقت لا صيفاً و لا شتاءً ، فلا تجد شيئاً . نحن ننام حين يسكن الطير ، و يمتنع الذباب عن مشاكسة البقر ، و تستقر أوراق الشجر على حال واحد ، و تضم الدجاج أجنحتها على صغارها ، و ترقد الماعز على جنوبها تجتر ما جمعته في يومها من علف . نحن و حيواتنا سواء بسواء نصحو حين تصحو و ننام حين تنام ، و أنفاسنا جميعاً تتصاعد بتدبير واحد . أما في المدينة فالأمر جد مختلف إذ يمكن للمرء أن يسمع الإذاعة و يذهب إلى السينما و أن يتمتع بنور الكهرباء ، و في تنغيم لفظي ينم عن الانتماء الكامل للعالم التقليدي يقول الراوي للشاب اليافع إنه و لا شك سيرحل عن هذه القرية التي يعيش فيها الناس "على الستر " ، قوم أصبحت جلودهم ثخينة من فرط المشقة ،و لكنهم اعتادوا هذه الحياة ، بل هم في الواقع يحبونها .

نعم سيرحل الشاب ، و لكن الراوي يريد أن يريه شيئاً واحداً جوهرياً : "شيئاً واحداً نصر أن يراه زوارنا" . إنها بمنزلة المتحف ، و إذا كان المتحف هو المكان الذي يحفظ فيه "تاريخ القطر و الأمجاد السالفة " فإن هذا الشئ و لا شك له دلالة مماثلة ، إنها دومة ود حامد ، شجرة تقف شامخة برأسها إلى السماء و كأنها صنم قديم ، أو مهر جامح ، ضربت بعروقها في الأرض ، ترسل بظلها على النهر تارة و على الأرض المزروعة تارة أخرى و كأنها "عقاب خرافي باسط جناحيه على البلد بكل ما فيها " . و الدومة لم يزرعها أحد ، بل نمت وحدها ، و لذا كل جيل يجيء يجد الدومة كأنما ولدت مع مولده و نمت معه . و لمِ لا و الدومة تقف في عقل أهل القرية ، تظهر لهم في أحلامهم و يقومون بزيارتها كل يوم أربعاء ليذبحوا نذورهم و هي تستجيب لدعائهم و تنجز لهم المعجزات ، كأن تشفي المرضى الذين استعصى عليهم الداء أو الذين لا يمنكنهم الوصول إلى الطبيب في المدينة .

الدومة إذن رمز لجماعة تقليدية ، متماسكة الأطراف ، مؤمنة بالأسطورة ، و لكنها مع هذا لها تاريخ ، يقصه الراوي على هذا الشاب اليافع . فالعصر الحديث لا يترك القرية و شأنها ، إذ تقرر الحكومة "الاستعمارية" "إقامة مكنة للماء" في موضع الدومة ، و لكن أهل القرية هبوا عن آخرهم هبة رجل واحد .. و أعانهم الذباب أيضاً : "ذباب البقر" فطردوا مندوب الحكومة " و لم تأت مكنة ماء و لم يأت مشروع .. و لكن بقيت لنا دومتنا" . ثم جاء الحكم الوطني و قرر أن ينشئ محطة تقف عندها الباخرة لتوفر على السكان مشقة السفر نصف يوم كامل للوصول إلى المحطة في البلدة المجاورة ، و لكن حينما يحضر مندوب الحكومة بالنبأ السعيد لا يقابل بالترحاب و إنما بوجوه مترقبة لأن الباخرة تمر عليهم يوم الأربعاء و أخبرهم الموظف أن الموعد الذي سيحدد لوقوف الباخرة في محطتهم سيكون في الرابعة بعد الظهر ، الوقت الذي تزور فيه القرية ضريح ود حامد عند الدومة " ونأخذ نسائنا و أطفالنا ، و نذبح نذورنا ؛ نفعل ذلك كل أسبوع ، و حينما طلب منهم الموظف تغيير يوم الزيارة وقعت الواقعة! و لا تقف الباخرة عند القرية و لا يزال أهلها يذبحون نذورهم كل يوم أربعاء "كما فعل آباؤنا و آباء آبائنا من قبلنا" . و ليكن الأمس مثل الغد ، و بدلاًِ من التطور ندور في حلقات .

و يبدو أن الحكومة الوطنية "الديموقراطية " حلت محلها حكومة وطنية مستبدة و قوية قررت إنشاء المحطة و إزالة الدومة بالقوة ، فقاوم أهل القرية فزُج بعشرين منهم في السجن ، ثم أفرج عنهم فجأة و وجدوا أنفسهم أبطالاً شعبيين . إذ إن الحكومة الوطنية العسكرية حل محلها حكومة وطنية جديدة ديموقراطية ، تحترم حقوق الإنسان ، و وجد أبطال القرية أنفسهم وسط الخطب الرنانة النارية المعتادة . و حضر الرؤساء و النواب و أقاموا نصباً تذارياً تحت الشجرة و استنكروا طغيان الحكومة التي تتدخل في
معتقدات الناس ، في أقدس الأشياء المقدسة عندهم ، و من الخطب تعلم أن دومة ود حامد كانت السبب في سقوط الحكوم،ة المستبدة و بذا أصبحت "دومة ود حامد رمزاً ليقظة الشعب" . و الوصف هنا مفعم بالسخرية ، فهذا العالم الجديد الذي ينقض على القرية و دومتها و أهلها لا يكترث بها كثيراً و لا يحترم علاقاتها الإنسانية الوثيقة .

و لذا بعد الخطب و النصب "عادت حياتنا إلى سيرتها الأولى لا مكنة ماء ، و لا مشروع زراعة ، و لا محطة باخرة . و بقيت لنا دومتنا تلقي ظلها على الشاطئ القبلي عصراً ، و يمتد ظلها وقت الضحى فوق الحقول و البيوت حتى يصل إلى المقبرة و النهر يجري تحتها كأنه أفعى مقدسة من أفاعي الأساطير". و هذه هي نفس الكلمات التي استخدمها الراوي في وصف الدومة في بداية القصة . لم يزد على الدومة سوى نصب رخامي و سور حديدي و قبة ذات أهلة مذهبة نتيجة لمحاولات الحكومة الوطنية الجديدة أن تكسب تأييداً شعبياً ، فبين الحكومة الاستعمارية و الوطنية و الوطنية المستبدة، و الوطنية الديموقراطية الجديدة ، لم تكن القرية و أهلها و دومتها سوى شئ أو موضوع ، و ليس كياناً إنسانياً حياً له قوانينه الخاصة يجب العامل معه باحترام .

و في نهاية القصة يتفوه الغريب العصري ببضع كلمات سائلاً عن الطلمبة و المشروع و المحطة ، و متى سيمكن إنشاؤها ، " حين ينام الناس فلا يرون الدومة في أحلامهم ، و متى يكون ذلك" . هنا يخبرنا الراوي تفاصيل من حياته ، تدل على أن الصراع بين الجديد و القديم ليس خارجياً ، و إنما يدور داخل القرية ذاتها ، إذ نعرف من الراوي أن ابنه قد هرب إلى المدينة و دخل المدرسة رغم أنفه ، و مع هذا " إنني أدعو أن يبقى حيث هو فلا يعود" ثم يعبر عن رغبته في أن يتكاثر أمثاله في القرية "الفتيات الغرباء الروح فلعلنا حينئذ نقيم مكنة الماء و المشروع الزراعي .. لعل الباخرة حينئذ تقف عندنا .. تحت دومة ود حامد".

و لكن ماذا عن الدومة ، هذا الصنم ، إله المكان ، هل تجتث من مكانها ؟ فيجيب الراوي " لن تكون ثمة ضرورة لقطع الدومة . ليس ثمة داعٍ لإزالة الضريح . الأمر الذي فات على هؤلاء الناس جميعاً أن المكان يتسع لكل هذه الأشياء ، يتسع للدومة و الضريح و مكنة الماء و محطة الباخرة".

إن الراوي التقليدي يتحدث مع الغريب العصري ، و يطرح على مستوى الرؤية و النظرية ، إمكانية التصالح بين الماضي و المستقبل حتى لا ننتهي إلى ماضٍ دون مستقبل"كما حدث للقرية" أو مستقبل دون ماضٍ ، كما يحدث في بلدان الغرب.

و تنهتي قصة الطيب صالح بالراوي ينظر إلى الغريب الجديد نظرة "لا أدري كيف أصنفها و لكنها أثارت في نفسي شعوراً بالحزن ، الحزن على أمر مبهم لم أستطع تحديده " و لكننا يمكننا التخمين ، نعم . سيتزاوج القديم و الحديث ، و سينشأ العالم المركب .. و ستظلل الدومة كلاً من القرية و المكنة ، و لكن الراوي يعلم جيداً أن عالمه هو - بكل عظمته و ضيق أفقه- سيمر و يذوي و لن يبقى منه سوى الذكرى.‬

0 تعليقاتكم:

Post a Comment