11- قراءة في كتاب "رحلتي الفكرية"

Thursday, August 4, 2011
‫الإمبريالية : مذهب سياسي يبرر حق اللجوء إلى القوة لإنشاء إمبراطورية بقصد التوسع والسيطرة على عدة شعوب مختلفة عرقيا وثقافيا , وإخضاعها بدرجات متفاوتة , لسلطة معينة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

و عنها يكتب عبد الوهاب المسيري :


كان من المحتم أن ترتطم الإمبريالية العسكرية بحدود المكان لأسباب كثيرة. فهي في نهاية الأمر تمدد جغرافي، يصل منتهاه بالاستيلاء على كل أسواق العالم كما حدث مع بداية القرن العشرين.

وقد أدركت القوى الإمبريالية الغربية كذلك أن استنزاف المصادر الطبيعية في آسيا وأفريقيا وكل أطراف المعمورة قد تزايد، تماما مثل التزاحم على الأسواق، وأن تكلفة المواجهة العسكرية مع شعوب العالم الثالث (وهي الآلية التي تستخدمها الإمبريالية التقليدية لاستعباد الشعوب واستغلالها وتحويلها إلى مادة استعمالية) أصبحت باهظة.

وقد أدركت الإمبريالية العسكرية كذلك أنه مع انتقال المجتمعات الغربية من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة تراجعت ما أسميها "النزعة الجهادية" عند الشباب الغربي.

ففي مرحلة الصلابة كان المواطن في الغرب يؤمن بأسبقية المجتمع على الفرد، فظهرت مفاهيم مثل التضحية والإيمان بالوطن وضرورة الدفاع عنه.

وفي هذا الإطار أيضا ظهرت مفاهيم مثل تفوق الرجل الأبيض والإمبريالية التقليدية المبنية على المواجهة العسكرية.

ثم انتقلت هذه المجتمعات إلى مرحلة السيولة حيث يؤمن المواطن بأسبقية الفرد على المجتمع، ولذا تظهر مفاهيم مثل المصلحة الشخصية والمنفعة والخلاص من خلال السلطة واللذة، وما سمّاه أحد علماء الاجتماع حضارة الأنا، ولم يعد الشباب مكترثاً بمفاهيم مثالية مثل "الكفاح من أجل الوطن" و"التضحية من أجله".

فأحكمت الحضارة الاستهلاكية قبضتها عليه. لكل هذا وجدت القوى الإمبريالية بعد ارتطامها بحدود السوق العالمي وبعد اكتشاف عجزها عن المواجهة العسكرية، أن المخرج الوحيد لها هو نشر النزعة الاستهلاكية في بقية أنحاء العالم.

قررت الإمبريالية الغربية توسيع رقعة السوق لا عن طريق الانتشار الأفقي في الخارج (الذي يتطلب القوة العسكرية) وإنما عن طريق الانتشار الرأسي داخل النفس البشرية ذاتها، التي تتحول إلى سوق دائم الاتساع، .

. والهدف من الإنتاج من منظور الإمبريالية النفسية هو الاستهلاك، والهدف من تزايد الإنتاج هو تزايد الاستهلاك، وحياة المرء تكتسب معنى إن هو استهلك، ومزيدا من المعنى إن هو صعَّد من استهلاكه (وقد عرفت التنمية والحداثة بأنها ثورة التوقعات المتزايدة!).

أحد المفكرين الغربيين صرح بأن المجتمعات الاستهلاكية لا يهمها المعنى ولا تبحث عنه، فالسلعة تصبح هي البداية والنهاية وهي مركز الوجود، بل وهي التي تضفي معنى على حياة الإنسان الاستهلاكي، ومن هنا مصطلح الذي يعني أن السلعة تزيح الإنسان من مركز الكون لتحل محله، وتصبح السلعة أكثر أهمية من الإنسان.

وتوجد مصطلحات شبه مترادفة مع هذا المصطلح مثل "التوثن وهي تعني أن الأشياء (بما في ذلك السلع) تتحول إلى أوثان يتعبد الإنسان في محرابها بعد إزاحته من مركز الكون، ونفس الأمر ينطبق على مصطلح "التشيؤ ثمة مصطلح في علم الاجتماع الغربي هو أي "نزع الأسرار والأسطورة عن الإنسان"، وهذا ما تفعله الإمبريالية النفسية فهي تحاصر النفس البشرية بثورة التوقعات والتطلعات التي لا تنتهي.

وحيث إن الإنسان يقف عاريا ضعيفا وحيدا أمام ما أسميه قطاع اللذة في المجتمعات الحديثة التي تنظر للإنسان باعتباره مجموعة من الدوافع والحاجات الجسدية التي يمكن الوفاء بها، يصبح من السهل ترشيده وتدجينه وتنميطه فيدخل الآلة الاستهلاكية الجهنمية بعد أن يلقى في روعه أن السلع لا تحقق منفعته و حسب، بل سعادته، أي لذته أيضا.

وأنه كي تكتمل سعادته، وكي يحقق ذاته لابد من شراء سيارة جديدة كل عام، ولابد له من شراء قميص من النوع الفلاني وأحذية من النوع العلاني، ومن ثم تتحول كثير من الكماليات إلى ضروريات لا تكتمل السعادة في الحياة الدنيا بدونها.

بل إن بناء المدن الغربية يُجسِّد هذه الرؤية الإمبريالية من طرقات تهدف إلى تعظيم السرعة، إلى حركة يومية تبدد فيها الطاقة الإنسانية والطبيعية ويُلوَث فيها الجو، ويدور فيها كل شيء حول السوق والسلع.

في الماضي كانت "الحاجة هى أم الاختراع"، أما في إطار الإمبريالية النفسية فأصبح "الاختراع هو أبو الحاجة"، إذ لابد أن تظهر سلعة جديدة كل يوم. ومن هنا يدخل الإنسان دائرة الإنتاج التي لا هدف لها والآخذة في الاتساع إلى ما لا نهاية

0 تعليقاتكم:

Post a Comment