Showing posts with label مقالات متفرقة. Show all posts
Showing posts with label مقالات متفرقة. Show all posts

الدين والسياسة

Tuesday, October 25, 2011


كلما دار الحديث حول تأسيس حزب إسلامي - كما تجدّد الآن مع ربيع الثورات العربية- انطلق خصوم التيار الإسلامي في حملة متوارثة تحت عنوان: لا ينبغي استغلال الدين لأغراض سياسية!
ما الذي تعنيه هذه العبارة موضوعيا؟.. ما الذي يمكن وصفه بكلمة استغلال؟.. وما هي الأغراض السياسية المقصودة؟.. وأين الحد الفاصل بين عمل سياسي إسلامي لا يستغلّ الدين وفق ذلك الزعم وآخر يستغله؟.. وهل يمارس الآخرون السياسة أو يتطلّعون لتحقيق أغراض سياسية دون ممارسة "الاستغلال" المزعوم؟
إن من الشعارات والعبارات ما يتمثل خطره الأكبر في كونه لا ينطوي على مضمون محدد وليس له تعريف اصطلاحي، ولكن بات لمجرّد كثرة استخدامه يؤدّي مفعوله السلبي الخطير، بما في ذلك دفع الطرف المستهدف إلى موقف "دفاعي" يجعله يقرّ بصورة غير مباشرة على الأقلّ أنّ التهمة الموجهة إليه هي تهمة فعلا.. وإن لم تكن كذلك أصلا!


حملة متوارثة لا أساس لها
===============
لندع جانبا العناوين الكبرى للمناهج المطروحة أو التي يفترض أن تعبّر عن مناهج مطروحة في الساحة السياسية، كالإسلام والعلمانية والاشتراكية والرأسمالية، ولنأخذ مثالين اثنين فقط، يستندان إلى المضامين وليس إلى شعارات ومقولات وعناوين تعميمية:
المثال الأول:
**********
إذا دعا صاحب الاتجاه الإسلامي، في كتاب، أو حزب، أو جماعة، أو في أي قالب آخر، إلى العدالة، في الحكم والتشريع والعلاقات بين أطراف المجتمع الواحد.. فالمفروض أنه لا ضير في ذلك، وسواه يدعو إلى مثله عموما، ولكن هل يمكن القول إنه يستغل الدين لأغراض سياسية إذا أضاف معلّلا دعوته، إنّ الله تعالى يقول في كتابه الكريم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَۚ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" ﴿المائدة: ٨﴾، ويقول تعالى: "إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِۚ إِنَّ اللَّـهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۗ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا" ﴿النساء: ٥٨﴾.


أو يمكن السؤال مقابل ذلك: إذا دعا يساري شيوعيّ أو علماني حداثيّ للعدل، واستشهد بكلمات قالها ماركس أو لينين أو روسّو أو فولتيير.. فهل في ذلك استغلال للفلسفة وأهلها لأغراض سياسية؟


المثال الثاني:
***********
إذا استخرج صاحب الاتجاه الإسلامي من تعاليم الإسلام، جملة من الأطروحات، فجعل منها منهجا أو برنامجا سياسيا للحكم، وتبنّى ذلك في حزب شكّله، وأعلن أنه يريد الوصول بحزبه عبر أصوات الشعب في اقتراع نزيه حرّ، للسلطة، من أجل أن يطبّق ذلك المنهج، و"روّج" لحزبه ومنهج حزبه الإسلامي بقوله مثلا، إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جمع أهل المدينة من مسلمين وغير مسلمين على وثيقة تضمن حقوقهم جميعا، وقد تراضوا عليها، وهذا ما نريد تجديده في قطرنا هذا في عالمنا المعاصر هذا.. ففي تلك الوثيقة ما لا يختلف اختلافا يذكر عمّا يعرف بالدولة المدنية أو المجتمع المدني، إلا في أنّ مرجعيتنا إسلامية وللآخرين في الأحزاب المتنافسة على أصوات الشعب مرجعيات أخرى.. فهل في قوله هذا "استغلال للدين" لأغراض سياسية، تشمل فيما تشمل الوصول للسلطة لتطبيق رؤية سياسية؟


أوليس ما تصنعه أحزاب أخرى وفق مرجعياتها متطابقا مع ذلك إلا في أنّها تستند إلى مرجعيات فلسفية ما، وتعتقد مع افتراض حسن النوايا أنّها تكسب أصوات الشعب من خلال ذلك؟.. فعلام لا يوصف صنيعها باستغلال تلك الرؤى المرجعية لأغراض سياسية؟


إن الحملة المتوارثة تحت عنوان "استغلال الدين لأغراض سياسية" حملة تستغلّ السياسة لأغراض إقصائية، لا أكثر ولا أقلّ، ومن يمارس الإقصاء لأي طرف آخر، جدير بالإدانة والرفض.. وهذا ما يقول به العلمانيون نظريا، والمفروض أن يطبّقوه على أنفسهم في التعامل مع الآخر، وليس على الآخر وهم يتعاملون مع أنفسهم فقط.


مطيّة للسلطة الاستبدادية
=================
يتبع لما سبق مقولة أخرى، انتشرت على سبيل الاتهام التعميمي، دون مضمون موضوعي، بل يمكن القول إنّ من يطلقون هذه المقولة ويستهدفون بها التيار السياسي الإسلامي، إذا نظروا في التاريخ القريب والبعيد، وجدوا ما لا يُحصى من الشواهد على أنّها تسري -بالأسلوب التعميمي ذاته- على ما يتبنّون هم من مناهج ومرجعيات.


لم يتحدّث ماركس ولينين عن "حكم استبدادي" في نظرياتهما الفكرية الشيوعية.. بغض النظر عن تقويمها هنا، ولكن لم يقم حكم شيوعي إطلاقا إلا على أساس استبداد الحزب الواحد، وأحيانا استبداد قياداته به وفي المجتمع. ولم يتحدّث آدم سميث وأمثاله عن "حكم استبدادي مالي" فينظرياتهم الاقتصادية.. 
بغض النظر عن تقويمها هنا، ولكن من أشدّ ما تشكو منه المنظومة الرأسمالية المعاصرة أن سيطرة "القوى المالية" على "القوى السياسية" بلغت درجة التغوّل الخطير بواقعه ونتائجه، وهو ما لا يقف عند حدود قطرية بل ينتشر تأثيره المعولم عالميا.
كان أوائل من طرح ما حمل لاحقا عنوان العلمانية يطرحون رؤاهم وأفكارهم على أساس تحرير الإنسان من التسلّط الاستبدادي الذي عاصروه أو عرفوه من التاريخ، ومع ذك لا يمكن القول إن من تبنّى عنوان العلمانية في مصر مثلا لا سيما مع مقولة السادات "لا سياسة في الدين" أو في سورية منذ وصول البعث إلى السلطة، ثم اختزاله في "حكم العائلة"..


لا يمكن القول إنه أقام شيئا آخر سوى حكم استبدادي محض، فحكم قمعي دموي، مع العجز عن تحقيق تقدّم أو تطوّر أو استقلال حقيقي كالذي حققته دول علمانية غربية، وهي ذاتها -دون التفصيل في الأوضاع الداخلية- القوى المهيمنة التي تمارس الاستبداد على صعيد العلاقات الدولية.


هل اتخذ العلمانيون من العلمانية إذن مطية للاستبداد عبر السلطة؟
قد يكون تثبيت ذلك بحكم التجارب العديدة عالميا وقطريا هو الأقرب ألف مرة من تثبيت من يطلق تهمة "مطية للسلطة الاستبدادية" مستهدفا بها التيار الإسلامي تخصيصا، رغم "ندرة" ما يمكن الاعتماد عليه تأويلا من تجارب تاريخية أو معاصرة.


إن كثيرا من المنتسبين إلى التيار العلماني في المنطقة الإسلامية مارسوا -قبل ربيع الثورات العربية- أسلوب الإقصاء الاستبدادي تجاه التيار الإسلامي، عبر هذه المقولة وسواها، وذلك من قبل الوصول إلى السلطة، مثلما مارسه من وصل إلى السلطة متبنّيا العلمانية.. فهل يمكن الاعتماد على قول كثير من العلمانيين من خارج السلطة الآن، في ربيع الثورات العربية، أو على قول كثير من الإسلاميين بالمقابل، إنّهم لن يمارسوا الإقصاء الاستبدادي، فيما لو اختارتهم الغالبية الشعبية فوصلوا إلى السلطة فعلا؟!


كل طرف يصدّق نفسه.. وهذا من حقه. ولكن من حق الشعب أن يختار من يراه جديرا بثقته فيصدّقه، وذاك ما يعنيه الاحتكام للإرادة الشعبية، فمن يعتقلها داخل جدران مرجعيته، يمارس الاستبداد والإقصاء من قبل وصوله إلى السلطة، وهو بذلك الأقرب ألف مرة إلى ممارسة الاستبداد والإقصاء فيما لو وصل إليها فعلا.


نبيل شبيب

غُثاء كغثاء السيل





قلنا مرّة في بعض ما نشرناه من الفقرات الصغيرة في " الفتح " بقصد الإيقاظ والاعتبار : أن القسم الأعظم من سطح الكرة الأرضية محكوم للقسم الأقلّ ، وأن عدد سكان المستعمرات المستعبدين لأمم أوربا يزيد على ألف مليون من النفوس البشرية وضربنا لذلك مثلا بمستعمرات البرتغال التي تبلغ ثلاثة وعشرين ضعفًا من ساحة البلاد البرتغالية ،


وبمستعمرات بلجيكا التي تبلغ ثمانين ضعفًا من مساحة بلاد البلجيك ، وقلنا أن في مقابل كل فدّان من الأرض الأفرنسية عشرين فدانًا في مستعمرات فرنسا وأن كل شخص في


الجزائر البريطانية – رجلا كان أو امرأة أو طفلا – هو سيد على عشرة من سكان المستعمرات البريطانية ، وأن مساحة إيطاليا – وهي حديثة عهد في استعباد الأمم – لا تزيد على سدس مستعمراتها الإسلامية . لماذا هذا ؟ لماذا هؤلاء الأوربيون يتصرفون في أجسام هؤلاء الشرقيين ودمائهم وفيما ملكت أيديهم ، بل في معارفهم وأساليب تهذيبهم ، بل في منابرهم ومساجدهم وأحكام دينهم. 


ومكنونات قلوبهم ؟


الجواب على هذا السؤال له نَواحٍ متعددة ، وأريد اليوم أن أتكلم على أحدى هذه النواحي :


قرّاؤنا يعرفون هذا النيل الجاري في أرض الكنانة آتيًا من أوغندة وبلاد السودان يطوى الأودية والسهول حتى يمرّ بمصر العليا منحدرًا إلى القاهرة ، فبلاد الدلتا ثم يغيب في لجج البحر الأبيض . فالمصريون من قراء الفتح يعرفون النيل لأن أنظارهم تلم به كل يوم ، وغير المصريين من قراء الفتح لا تقل معرفتهم به عن معرفة المصريين به ، ولولا النيل لكانت مصر واديًا غير ذي زرع كالوادي الذي ترك فيه إبراهيم عليه السلام بعض ذرّيته في الساحل الآخر من البحر الأحمر .


أرأيتَ لو أن هذا النيل يخترق أرض الكنانة ولا يستعمله المصريون في زراعتهم وأحياء الموات من أرض وطنهم ، ماذا كان يكون حال مصر ؟


إن المسلمين انحطوا إلى القرارة التي سقطوا فيها لأسباب كثيرة ، ومن هذه الأسباب أن الله وهبهم نعمة كنعمة الله على مصر بالنيل ، فعطلوها كما لو عطل المصريون مياه النيل ،


وكانت عاقبة ذلك العُدم والفاقة والذل كما كان يكون حال المصريين لو أنهم لم يستفيدوا من مياه النيل .


المواهب الفكرية ، والقوى البدنية ، والملَكات الخُلُقية ، والقواعد الأدبية والاجتماعية ؛ كل ذلك نِعم الله عز وجل على البشر ، كالمياه التي يرسلها الله من السماء ويسلكها ينابيع في الأرض ؛ فإذا عطّل الناسُ هذه الينابيع فلم يستعملوها في مصالحهم بجميع وجوه الاستعمال ، كانوا بذلك غير أهل لهذه النعمة ، وعاشوا في حرمان وفقر وضعف وانحطاط . وكذلك إذا عطلت الأمة مواهبها الفكرية ، وقواها البدنية ، وملّكاتها الخلقية ، والقواعد الأدبية والاجتماعية ؛ فإن من عدل الله فيها أن يجعلها مملوكة لا مالكة ، ومتصرَّفًا فيها متصرّفة ، ومستعبدة


لمصالح غيرها لا سيّدة .


أنا أعرف من قلبي أنه لم يُفطَر على القسوة ، ومع ذلك فإني جدُّ مسرور بالقانون الذي سنّته مصر لمنع التسول واعتبار المتسول مجرمًا ، وإيواء ذوى العاهات إلى ملاجئ تقيمها


الحكومة ، وسوق القادرين على العمل بالعصا إلى التماس العيش من طريق العمل . أن الله أعطاهم جوارح فيجب عليهم أن يستعملوها حتى يحصلوا على قوتهم كما تحصل النملة على قوتها ، وما كان البشر من جنس البقّ حتى يجوز لهم أن يعيشوا بمصّ دماء الناس .


* * *
الأمم التي كافأها الله يجعل الأمم الأخرى تحت تصرّفها إنما كافأها الله بذلك جزاء اهتمامها بما أنعم به عليها من مواهب فكرية وقوى بدنية وملكات خلقية وقواعد أدبية واجتماعية ؛ فكل ذي نعمة فيهم يُحسن رعاية تلك النعمة ويقوم عليها بهمة ونشاط ويستغلّ منافعها إلى أقصى حد . وحُسنُ رعاية النعم باب من أوسع الأبواب لشكر من أنعم بها ، وبالشكر تدوم النعم .


لم تنجح أوربا في الاستيلاء على الأمم ، إلا بعد نجاحها في الاستيلاء على الوقت وحسن استعماله في زيادة قواها ، وبعد نجاحها في امتلاك مواهب أبنائها وحسن استعمالها في زيادة قواها ، وبعد نجاحها في الكشف عن بعض الحقائق المكنونة في سرائر الطبيعة وحسن استعمالها في زيادة قواها .


شبابنا يَعْمرون المقاهي والبارات ، ويطيرون وراء النساء في الشوارع ؛ وشبابهم يَعْمرون الأساطيل والثكنات والمصانع ودور الكتب ومخابر الكيمياء ، ويطيرون إلى شواطئ بحر الغزال ومزارع ارتيريا وجبال همالايا وأودية كنيا وجزائر اندونوسيا وأعماق الكونغو .


علماؤنا يختمون العلم بعد أخذ شهادة العالمية وفي كل مائة عالم منا لا نكاد نجد عالمًا واحدًا اقتنى في منزله الكتب الستة في الحديث وعلماؤهم يضعون المعجم المفهرس لكتب السنَّة المحمدية ، ويؤلفون دائرة المعارف الإسلامية ، ويحاولون أن يعرفوا بواطن المسلمين بعد معرفتهم ظواهرهم ليعينوا حكوماتهم على إحكام العقدة واكمال مهمة الاستيلاء .


كتب أحد حملة العالمية من رجالنا سؤالا وجهه إلى الصحفي العجوز في الأهرام يوم الخميس الماضي يسأله عن البعثة التي قيل أن الحكومة المصرية تريد إرسالها إلى الصين وعن البعثة التي قيل أنها سترسل إلى الحبشة ،
وهل الحكومة هي التي ستدفع المرتبات لأعضاء البعثتين أم تدفعها بلاد الصين والحبشة ، ثم سأله أن ينشر في الأهرام معلومات جغرافية وتاريخية عن تلك البلاد . ففهم الصحفي العجوز غرض السائل من هذا السؤال وقال له ما معناه : إن كنت قد مشطت لحيتك للسفر في إحدى البعثتين فقد كان واجبًا عليك


أن تكون أنت المرجع في معرفة الحقائق الجغرافية والتاريخية عن تلك البلاد ، فيزورك الصحفيون ويتلقون عنك هذه المعلومات لينشروها على الناس ، لأن من يرشح نفسه لمثل هذه


البعثة يجب أن يرشح نفسه قبل ذلك للمعارف اللازمة لها ، فهو الذي من شأنه أن يعطيها للأهرام لا أن الأهرام هي التي تكون مدرسة له يلتقط من فتات موائدها المعلومات الناقصة


في الساعة التي يريد أن يركب فيها القطار ليسافر إلى بلاد لم يسمع عنها شيئا .


وقد أشار الصحفي العجوز في مقاله ذاك إلى دعاة النصرانية في الحبشة والصين وكيف يُعدُّون أنفسهم للعمل سنوات طويلة قبل تصدّيهم للقيام بذلك العمل ، فهم في بلاد الحبشة


يعرفون الحبشية ويعرفون أحوال البلاد ودخائلها وعقائد أهلها ، ويوطنون أنفسهم على التضحية في سبيل ما يتصدَّون له .
* * *
نجاح أوربا فيما حاولته من أعمال عظيمة – علمية أو هندسية أو صناعية أو حربية أو سياسية – يرجع إلى ثلاثة أمور :


أولها : التخصص ، بحيث يقف الشابُّ من شبابهم حياته على عمل محدود ، فيستقصيه درسًا وبحثًا ، ويستقصى ما كتبه عنه القدماء والمعاصرون ، ولا يزال يحلّل أجزاءه ، ويستجلي أسراره ، ويفكر في خوافيه بعد بواديه ، حتى يكون أعلم الناس به ويصير مرجع بلاده فيه .


السرّ الثاني من أسرار نجاح أوربا واستيلائها على المدر والوبر والبشر : هو أن المتخصص في ضرب من ضروب المعرفة لا يَزِنُ جهوده ومساعيه بميزان الجنيه ، بل يقوم بهذه المساعي والجهود لغرض واحد هو الإحاطة بالمعارف والنبوغ فيها ، فهو لا يحسِب على أمته ساعات عمله كما يحسبها موظف الحكومة ، بل قُصاراه أن تكون الساعات قد صُرفت في العمل ، عَرف له ذلك من عرفه وجهله من جهله ؛ لذلك تراه يسهر الليالي بل يُفني العمر في طلب حقيقة من الحقائق وفي محاولة غرض من الأغراض ، وقد لا يصل بعد كل ذلك إلى تلك الحقيقة ،
وقد يَمضى عمره ولا يبلغ الغرض الذي وقفه عليه . وأكثر هذه الاختراعات التي نشاهدها والتي تدرّ على مصانعها المال بلا حساب ، إنما اخترعها رجال مخلصون مات أكثرهم فقراء واستفادت أمتهم معملهم واجتهادهم ثروةً وقوة واستطالة وعظمة . لا لأجل المسيح ، فإن المسيح سلام الله عليه قال فيهم منذ عشرين قرنًا (( لأن يدخل الجمل في سُمّ الخياط أهون من أن يدخل غني ملكوت السماوات )) ولكن ليتخذوا دعاية الدين أحبولة لأغراض الاستعمار والتصرُّف في رقاب الأمم ،


وذلك هو غرضهم الأول .وهكذا تجدهم جميعًا يعملون ليل نهار ويطوّحون بأنفسهم في المغامرات والمخاطر لتتوصل دولهم إلى التحكم في شعوبنا .


أما نحن .. أما نحن .. فقد رضينا أن نكون غثاء كغثاء السيل ، وسنظلُّ غثاء حتى نَرجِعَ مسلمين ، فيصهرنا الإسلام بحرارته ، ويجعلنا كما كان أجدادنا أمة عمل ، فنتأهل بذلك للخلافة


على الأرض


ولكن متى نبدأ ؟


سنبدأ يوم يبادر كل واحد منا فيبدأ ، غير ملتفت إلى غيره ليراه أن كان قد بدأ أم لا ..


بقلم
محب الدين الخطيب 

ستيف جوبز


اليوم اخترتُ لكم خطبة جاءت في صيف عام 2005م، تحديدًا في 12 يونيو؛ حين وقَفَ رجلٌ لم يكمِل تعليمَه الجامعيّ، ولم يَحْصُل على شهادةٍ جامعية، ليُلقيَ خطبة على طلاب "جامعة ستانفورد" الأمريكية الشهيرة والعريقة.. هذا الرجل يعمل مديرًا تنفيذيًا لشركة "آبل" التي أسَّسَها، وكذلك لشركة "بيكسار" التي أسسها أيضًا.

إنه "ستيف جوبز".. ذلك الطفل الذي تخلَّتْ عنه أمُّه للتبني، لعجزِها عن الإنفاقِ عليه، لكنها اشترطَتْ على مَن يَتبنّاه أن يَعِدَها بأنَّ ابنها سيذهب للجامعة ويحصل على شهادة جامعية.

أريد هنا أن أوضّح نقطة هامة.. رغم أنه طفل مُتبنَّى، لكن المجتمع الأمريكي احتواه ولم يفرِّق في معاملته، فخرَجَ للحياةِ عبقريًا ذكيًا، قدَّم لمجتمعه الكثير.

نقطة ثانية.. أنَّ والد "ستيف جوبز" (من حيث الدم) سوريُّ الجنسية (غير مسلم).. وهنا أطرح سؤالاً: لو كان والده عاد به إلى بلده، هل كنا سنراه اليوم ناجحًا بالدرجة ذاتها؟!.. لا أقصد من سؤالي هذا أن أعيب سوريا أو أي بلد عربي، بل أعيب طريقة تعاملنا مع الأحلام وكيف نذبحها في بلادنا كلها!

أخيرًا، لو كان "ستيف جوبز" في أي بلد عربي، ولم يحصل على شهادته الجامعية، كيف كانت نظرة الناس والمؤسسات وموظفي الحكومة له؟!

من إجابات هذه الأسئلة، ستنبع طرق حَلّ مشاكلنا في بلادنا اليوم..
عودة إلى الخطبة التي ألقاها الناجح الشهير المتبنَّى الذي لا يحمل شهادة تخرُّج جامعية حتى اليوم!

للتوضيح، الترجمة بتصرُّف كبير، وليست حَرفيّة أو آليّة أو غبية!

***
أتشرَّف اليومَ أنْ أكونَ معكم في هذا الحفل، في رحابِ واحدةٍ من أفضل الجامعات في العالم.. ولأخبرَكم الحقيقة كاملة – مكاني هذا هو أقرب ما كنت فيه يومًا ما من التخرج من الجامعة، واليوم أوَدّ أن أخبرَكم عن 3 قصص مَرَرْتُ بها في حياتي.. نعم، هذا كل ما سأحكي لكم عنه؛ شيء ليس بالكثير...

القصة الأولى عن وصل النقاط معًا..

لقد تركت دراستي الجامعية في "كلية رييد" بعدما بدأت فيها بستة أشهر، لكني بقيت في رحاب الجامعة أحضر دروس العلم لمدة 18 شهرًا أو يزيد، قبل أن أترك التعليم الجامعي بالكلية، فلماذا فعلت ذلك؟
لقد بدأت القصة بمولدي، حين كانت أمي التي حملت بي شابة صغيرة، غير متزوجة رسميًا، خريجة جامعية، وقررَتْ أن تهبني للتبني عند ولادتي، بشرط أن يكون من سيتبناني خريج جامعة؛ الأمر الذي انطبق على محام وزوجته، لكن ما أن جاء موعدي وخرجت برأسي إلى هذا العالم، وتبيَّنَ أني ذكر، قرر المحامي وزوجه أنهما يريدان تبني فتاة، ولذا تخليا عني.. بعدهما جاء الدور على والداي بالتبني، واللذان تلقيا مكالمة هاتفية في منتصف الليل تسألهما: لدينا مولود ذكر، هل تريدانه؟.. وفورًا جاءت الإجابة، نعم.. فيما بعد، اكتشفت الأم الأصلية أن الأم بالتبني لم تتخرج من أي جامعة، بينما والدي بالتبني لم يكمل دراسته المدرسية.. هذا الاكتشاف جعل أمي ترفض توقيع أوراق منحي للتبني لعدة شهور، حتى وعدها والداي بإرسالي للجامعة حين يأتي وقت ذلك.

بعدها بقرابة 17 سنة، ذهبت فعلاً للدراسة في جامعةٍ اخترتُها بسذاجة، وكانت مصاريفها غالية تعادل تلك التي لـ"جامعة ستانفورد".. أخذَتْ تستنزف مدخرات والداي بالتبني.

بعد مرور 6 أشهر في الدراسة بهذه الجامعة، لم أستطع العثور على أي فائدة من هذه الدراسة، فلم أكن أعرف ساعتها ما الذي أريد أن أفعله في حياتي، ولم أعرف كيف ستساعدني دراستي الجامعية في معرفة هدفي في الحياة، وفوق كل هذا كنت أنفق كل مدخرات والداي.. ولذا قررت أن أترك الدراسة الجامعية الرسمية، على أمل أن تتحسن الأمور بعدها.. بكل صراحة، لقد كنت وقتها في قمة الخوف والرعب والقلق، لكني اليوم حين أنظر إلى هذا القرار، أجده صائبًا لأقصى درجة.
في اللحظة التي قررت فيها ترك مساري التعليمي الجامعي الإلزامي، بدأتُ أتوقف عن حضور دروس العلم التي لم أحبها، وبدأت أحضر المزيد من دروس العلم التي أحببتها ووجدت لها عندي اهتمامًا كبيرًا..
لم يكن الأمر رومانسيًا أو ورديًا حالمًا.. فبعد قراري هذا لم يكن لدي سرير أو غرفة في مهجع الطلاب، ولذا افترشتُ مساحة من أرضية غرفة صديق لي، وكنت أجمع زجاجات مشروب "كوكاكولا" الفارغة لأعيدها مقابل 5 سنت لأشتري بها طعامًا أقتاتُ به، وكنت أسير 7 أميال في ليلة كل يوم أحد لأذهب إلى معبد هندوسي يوزع وجبة طعام مجانية.. لقد أحببت هذه الطريقة في العيش، ولقد كان كل ما تعرَّفتُ عليه في هذه الفترة الزمنية من شبابي ذا أفضلِ الأثر عليَّ فيما بعد.. 

دعوني أعطيكم مثالاً على ذلك:

في هذا الوقت، كانت "جامعة رييد" الأفضل في أمريكا من حيث جودة دروس كتابة الخطوط الإنجليزية، ولهذا كان كل منشور وكل بطاقة في الجامعة مكتوبة بطريقة فنية جميلة ودقيقة.. لأني اخترت الانسحاب من التعليم الجامعي الإلزامي، أُتيحَتْ لي فرصة حضور دروس الخط هناك، لأتعلم فنون هذا العلم وأسرار هذا الفن، وتعلمت الكثير عن خط "سيرف" Serif وخط "سان سيرف"، وتعلمت عن قواعد احتساب المساحة الفارغة اللازم تركها بين كل حرف والتالي، الأمر الذي يساعد على الكتابة بشكل جمالي ومبهر.. كان الأمر جميلاً، تاريخيًا، بشكل يعجز العلم عن وصفه، ولقد تمتعت بكل لحظة منه.

وقتها، لم يكن لدراسة هذا الفن أي إمكانية للاستفادة منه في حياتي المقبلة، لكن بعدها بعشر سنوات، حين كنا نصمم أول حاسوب "ماكينتوش"، تذكرتُ هذه اللحظات الجميلة، وأعدنا تطبيقها كلها داخل نظام تشغيل "ماك"، والذي كان أول جهاز كمبيوتر يقدِّم نظام عرض للخطوط بشكل جميل وراقي.. لو لم أنسحب من مسار التعليمي الجامعي الإلزامي، لم يكن "ماك" ليقدِّم خطوطًا ذات مسافات متناسبة فيما بين حروفها.. ولأن نظام التشغيل "ويندوز" قلّدَنا ونسَخَ ما يقدمه "ماك"، فأغلبُ الظنِّ أنه لولا "ماك" لما قدَّم أي نظام كمبيوتر الخطوط ذات المسافات المتناسبة فيما بين حروفها.

لو لم أتخذ قراري هذا، لما تمكّنتُ من حضور دروس تعلم الخطوط، ولما كنت تعلمت هذا الفن الجميل، ولما كانت الحواسيب لتقدم نظام عرض الخطوط كما نعرفه اليوم!

بالطبع، لم أكن وقتها لأقدر على فهم الصلة ما بين هذه الأحداث وهذه النقاط في حياتي.. مرة أخرى، لا يمكنك وصل النقاط عندما تتطلع للمستقبل، بل فقط حين تنظر للماضي وتبحث عن النقاط والمحطات في حياتك، ولذا عليك أن تثق أن نقاط حياتك ستتصل معًا بشكل أو بآخر في المستقبل.. فقط عليك أن تثق في شيء ما: إحساسك الداخلي – قَدَرَك – حياتك – أعمالك الصالحة، مهما كنت لتعطيه من أسماء.

هذه الطريقة في التفكير لم تخذلني يومًا، وقد صنعت الفارق العظيم في حياتي.

القصة الثانية عن الحب، والخسارة..

لقد كنت محظوظًا؛ إذ عثرت على الحب في حياتي في سنٍّ مبكرة، حيث بدأت أنا وصديقي "واز" [كنية عن "ستيف وزنياك"] شركتنا "آبل" في جراج [مرآب] والدي حين كان عمري 20 عامًا.. عملنا وقتها بكل قوة، وفي خلال 10 سنوات، كبرَتْ "آبل" من شركة قوامها اثنين يعملون في جراج إلى شركة رأسمالها 2 مليار دولار يعمل فيها أكثر من 4 آلاف موظف... قبلها بعام، كنا قد أطلقنا أفضل منتج لنا، حاسوب "ماكنتوش"؛ وكنت قد أتممت الثلاثين من عمري.. ثم طردني مجلس إدارة "آبل"!

كيف يمكن لأحدهم أن يطردك من شركة أنت من بدأها وأسسها؟!
حسنًا، مع كبر حجم "آبل"، قمتُ بتوظيف شخصٍ ما [يقصد "جون سكالي"] كان الظن به أنه موهوب بما يكفي لقيادة الشركة بجانبي.. ومضت الأمور بيننا على ما يرام في السنة الأولى من توظيفه؛ بعدها اختلفنا وتعارضَت رؤيتي ورؤيته لمستقبل "آبل"، وبدأ هذا التعارض يتزايد حتى توجَّبَ على أحدنا أن يرحل.. اختار مجلس إدارة الشركة أن ينحاز لصف هذا الشخص.. وكان عمري وقتها 30 سنة، مطرودًا من شركتي التي وهبتها جُلَّ اهتمامي وتركيزي طوال شبابي، وكان لذلك الأمر الوقع المدمر علي.

لعدة شهور، لم أعرف ما الذي يجب عليَّ فعلُه بعدها.. شعرت وكأني خذلْتُ الجيلَ السابق من العصاميين ورواد الأعمال، وكأني أسقطتُ الشعلة أرضًا وهي تنتقل من يدهم إلى يدي.. قابلتُ "ديفيد باكارد" [أحد مؤسسي شركة HP] و"بوب نويس" [مخترع أول دائرة إلكترونية متكاملة IC ومؤسس شركة "إنتل"] واعتذرتُ لهما عن إخفاقي الشديد.. كنتُ وقتها أشهر فاشل في وسائل الإعلام، حتى أني فكرت جدّيًا في الفرار من "وادي السيلكون".. على أن شيء ما بدأ يهبط عليّ؛ فأنا لا زلت أحب ما أفعله.. تطوُّر الأحداث الدرامي في "آبل" لم يغيِّر ذلك الحبَّ داخلي، لقد حصلتُ على رفض، لكني لا زلت في حالة حبّ، ولهذا قرّرتُ أن أبدأ من جديد.

لم أَفْطِن للأمر وقتها، لكن الأيام التالية أوضحَتْ لي أنَّ طردي من "آبل" كان أفضل شيء يمكن أن يحدث لي.. ذهب عني العبء الثقيل للنجاح، وحلَّ مكانه سهولة وخفة البدء من جديد، ما حرَّرَني لكي أدخل في واحدة من أكثر مراحل حياتي إبداعًا وعبقرية.

خلال السنوات الخمسة التالية، أسستُ وبدأتُ شركة "نكست" NeXT، ومن بعدها شركة أخرى سمَّيتُها "بيكسار" Pixar.. ووقعتُ في حبِّ امرأة رائعة أصبحَتْ زوجتي الآن.

شركة "بيكسار" أبدعت أول فيلم رسوم متحركة جرى تصميمه وإنتاجه بواسطة الحواسيب في العالم: فيلم Toy Story أو "قصة دمية".. 

والآن تعتبر "بيكسار" أنجح وأفضل ستوديو تصميم رسوم متحركة في العالم.

وفي تطور مذهل للأحداث، اشترت "آبل" شركةَ "نكست"، وعدتُّ إلى "آبل" في وظيفة المدير التنفيذي CEO وأصبحَتْ التقنية التي طورتُها في شركة "نكست" هي الأساس الذي بنَتْ عليه "آبل" نهضتَها ونجاحَها من بعدها، وأسَّستُ أنا و"لورين" -زوجتي- أسرة رائعة.

كلي ثقة أن هذه النجاحات لم تكن لتحدث لو لم يطردني مجلس إدارة "آبل".. لقد كان دواء ذا طعم مرير، لكني أؤمن أن المريض كان بحاجة ماسة له.. أحيانًا ترميك الحياة بحجر على رأسك، لا تفقد إيمانك ساعتها..


كلي ثقة كذلك أن الأمر الوحيد الذي جعلني أخرج من أزمتي هو حبي لما أفعله وأعمله.. عليك أن تعثر في حياتك على ما تحبه، سواء ما تحب عمله أو من تحب قضاء حياتك معه.. سيشغل عملك جزءًا كبيرًا من حياتك، والسبيل الوحيد لكي تكون راضيًا حقًا هو أن تفعل ما تراه عملاً عظيمًا، والسبيل الوحيد للعمل العظيم هو أن تحب ما تعمله.. إذا لم تعثر على ما تحبه، استمر في البحث عنه، لا تقنع بغيره.. فكما هو الحال مع جميع مسائل القلب، ستعرف ما/من تحبه حين تراه.. ومثلها مثل أي علاقة ناجحة، ستزداد العلاقة قوة وتحسنًا بمرور السنوات.. ولذا استمر في البحث عنه حتى تعثر عليه، لا تقنع بغير ذلك.

وأما القصة الثالثة فعن الموت..


حين كنت في السابعة عشرة من عمري، قرأت مقولة مفادها: "إذا عشتَ كل يوم كما لو كان آخر يوم في حياتك، فسيأتي يوم تكون فيه على حق".. تركَتْ هذه المقولةُ أثَرَها الكبير على نفسي.. ومن ساعتها، وعلى مَرّ 33 سنة خلت، وأنا أنظر إلى نفسي في المرآة كلَّ يوم وأسألها: لو كان اليوم آخر يوم في عمري، هل كنت لأوَدَّ أن أفعل ما أنوي فعله في يومي هذا؟.. وإذا كانت إجابتي هي "لا" على مَرّ عدة أيام، ساعتها كنتُ أدرك حاجتي لتغيير شيء ما.


عبر إبقائي لحقيقة أني سأموت قريبًا حيَّةً في ذاكرتي، كان ذلك الأداة الأكثر أهمية لتساعدني على اتخاذ القرارات الكبيرة في حياتي.. لأنه تقريبًا يخفِتُ كلُّ شيء في مواجهة الموت (التوقعات، والكبرياء، والخوف من الحرج والفشل) لتترك الأشياء المهمة حقًا لتظهر جلية..
بأن تداوم على تذكير نفسك أنك ستموت لَهُوَ أفضلُ سبيل لأن تتفادى الوقوعَ في فخِّ مَظنَّةِ أنَّ لَدَيك شيءٌ لتخسره فتخاف عليه.. أنت عارٍ بالفعل، ولن تجدَ سببًا مقنعًا لكي لا تتبع قلبك.

منذ قرابة عامٍ مَضَى [مضى على وقت إلقاء المحاضرة، ويقصد عام 2004م] جاء تشخيص مرض أصابني على أنه السرطان.. أجريتُ مسحًا طبيًا في 7:30 صباحًا، والذي أوضَحَ بشكلٍ ظاهر إصابتي بورم خبيث في البنكرياس، وكنت ساعتها لا أعرف ما هو البنكرياس.. أخبرني فريقُ الأطباء أن مرضي عُضال لا شفاءَ منه، وأن أمامي من 3 إلى 6 أشهر لأعيشها.

كانت نصيحة طبيبي أن أعود إلى بيتي وأرتب أموري، أو ما معناه أن أستعد لموتي.. كانت هذه النصيحة تحمل في طياتها أن أخبر أبنائي في بضعة شهور كلَّ ما كنتُ أظنُّ أنَّ أمامي عشر سنوات لأخبرهم خلالها بما أردتُّ قولَه لهم، وأن أجهِّزَ كلَّ شيءٍ لعائلتي حتى يصبحَ رحيلي سهلاً عليهم، وأن أودِّعَ الجميع.

عشتُ بهذا التقييم الطبي يومي كلَّه، ثم في المساء ذهبتُ لأخذ عيّنة من هذا الوَرَم لتحليلها، من خلال إدخال منظار من فمي وعبر حلقي إلى معدتي ومن ورائها أمعائي، ومن خلال إبرة اخترقت البنكرياس لأخذ خلايا من الورم الذي به..

كنتُ بالطبع مخدرًا لا أشعر بشيء، لكن زوجتي -والتي كانت حاضرة، تراقب هذا الإجراء الطبي- أخبرتني أنه حين نظَرَ الأطباءُ إلى هذه الخلايا المنتزعة مني تحت المنظار/ميكروسكوب، أخذ الأطباءُ بالبكاءِ فرحًا لأنَّ الورم كان من النوع شديدِ النُّدرة القابلِ للعلاج بالتدخل الجراحي.. أجريتُ العملية الجراحية، وأزلتُ الوَرَم.. وأنا بخير الآن.
كانت هذه الواقعة أقرب لقاء لي مع الموت.. وأرجو أن تبقى كذلك لعدة عقود مقبلة.. لكوني خرجتُ حيًا من هذه التجربة، أستطيع الآن أن أقولَ هذه النصيحة عن واقع خبرة؛ أكثر منها تشبيهًا مجازيًا أو فكرة تحاول تخيلها:
لا يريد أحد أن يموت، حتى من يريدون الذهاب إلى الجنة.. ورغم ذلك، فإنَّ الموت هو النهاية التي نشترك كلنا فيها.. لا تجد مَن فرَّ من هذه الخاتمة.. وهكذا كيف يجب للأمر أن يكون.. الموت هو ربما أفضل اختراع للحياة؛ فهو من وسائل الحياة للتغيير.. إنه يمحو القديم ليفسحَ الطريق للجديد.. في وقتنا هذا الجديد هو أنتم [يقصد طلاب الجامعة]، لكن في يوم قريب -ليس ببعيد- ستصبحون تدريجيًا القديم وتمحون من الطريق.. آسف لكون كلامي درامي حزين، لكنه عين الحقيقة.

وقتك محدود، لذا لا تضيعه في أن تحيا حياة شخص آخر.. لا تقع في فخ العيش وفق ما توصَّلَ إليه فكر الآخرين.. لا تدع الضوضاءَ التي تُحدِثُها آراءُ الآخرين تعلو فوق صوتك الداخليّ.. والأكثر أهمية من ذلك هو أن تكون من الشجاعة بحيث تتبع ما يمليه عليك قلبك وحدسك؛ هذان الاثنان يعرفان بصدق ما تريد أن تكون عليه.. وكل ما عداهما ثانوي.
حين كنتُ صغيرًا، كان هناك هذا الكتيب الرائع "كتالوج الأرض كلها" The Whole Earth Catalog، والذي كان من أمهات الكتب لجيلي من الشباب.. ألفه "ستيوارت براند" في مكانٍ ليس ببعيد من جامعتكم هذه، ووضع عليه لمساته الشعرية.. كان هذا في نهاية الستينات، قبل بزوغ نجم الحواسيب الشخصية والنشر المكتبي؛ أي كتبه باستخدام الآلات الكاتبة والمقصات وكاميرات "بولارويد" الفورية.. لقد كان بمثابة توفير خدمات موقع "جوجل" من خلال الورق، منذ 35 سنة قبل مجيء "جوجل" إلينا.. كان كتابًا مثاليًا، مليئًا بالأدوات الفنية والأفكار العظيمة.
وضَعَ "ستيوارت" ورفاقه عدة إصدارات من هذا الكتالوج...
وبعدما أخذ وقتَه، وحان وقت النسخة الأخيرة، اجتهدوا في تصميم العدد الأخير، في منتصف السبعينيات، حين كنتُ في عمركم، وكان الغلاف الأخير للعدد الأخير يحمل صورةً عرَضَتْ طريقًا زراعيًا جميلاً وقتَ الصباح، من النوع الذي كنتُ لِتحملَ حقيبتَك وتستوقف السيارات في الطريق لتأخذك إليه لو كنت من النوع المغامر... مع هذا المنظر الخلاب جاءت جملة تقول: "ابْقَ جائعًا، ابْقَ أحمق" Stay Hungry, Stay Foolish لتكونَ هي جملةُ الوداع منهم لقرائهم..
ابْقَ جائعًا، ابْقَ أحمق!
ولقد تمنيتُ لنفسي أن أكونَ كذلك.. والآن، وبينما تتخرجون لتبدؤون، أتمنى لكم الشيء ذاته: ابْقَ جائعًا، ابْقَ أحمق!
أشكركم جميعًا جزيلَ الشكر...
***
من وجهة نظري القاصرة، أرى "ستيف" يقصد بالجوع ذاك المعرفي، أي الجوع والنهم لتعلُّم وتجربة كلّ ما هو جديد.. بينما الحماقة قَصَدَ بها أن تخالِفَ توقعات التقليديين الخائفين من التغيير مِن حولِك، وأن تفعلَ ما يُمليه عليك قلبُك...
أهدي هذه المقالة لكلِّ من يتردد: عندي هذه الفكرة/المشروع/الخطة، فهل أنفذها أم أستمع لنصائح من حولي بألا أفعل؟
إنَّ الحياة قصيرة، وما هي إلا أيام وننتقل من ظهر الأرض إلى بطنها، وسيرحل عنّا كلُّ مَن نصحونا بألا نغامر أو نجرّب.. وسنلحق بهم، وسيلفّنا النسيان.. ولن يبقى لنا سوى أنفسنا وقراراتنا..
افعلها ونفّذها وأطلِقها.. ومهما كانت العواقب، ابتسم؛ فأنت تفعل شيئًا تحبه وتهواه..
نعم، المخاطرة والمغامرة قد تعود بالنتائج الوخيمة، لكن ما الأفضل: أن تأتي أزمة اقتصادية وتتركك بلا وظيفة أو مصدر دخل، أم أن تكون أنت السبب في ذلك؟
أين في التاريخ مَن اختاروا اللعب في المضمون وعدم المغامرة والمخاطرة؟!..
هل يمكنك أن تبلغَ الجانب الآخر من النهر، ما لم تترك الأرض وتقف على سطح القارب ليأخذك إلى شاطئ آخر لا تستطيع رؤيته؟
مرة أخرى.. القرار قرارك.. فلا تغامر ثم تلوم سواك إن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن.. لكن كذلك فكّر: ماذا لو لم تفعل؟

---

ترجمة : رءوف شبايك
الشكر موصول للزميل
Islam Najeh