اليوم اخترتُ لكم خطبة جاءت في صيف عام 2005م، تحديدًا في 12 يونيو؛ حين وقَفَ رجلٌ لم يكمِل تعليمَه الجامعيّ، ولم يَحْصُل على شهادةٍ جامعية، ليُلقيَ خطبة على طلاب "جامعة ستانفورد" الأمريكية الشهيرة والعريقة.. هذا الرجل يعمل مديرًا تنفيذيًا لشركة "آبل" التي أسَّسَها، وكذلك لشركة "بيكسار" التي أسسها أيضًا.
إنه "ستيف جوبز".. ذلك الطفل الذي تخلَّتْ عنه أمُّه للتبني، لعجزِها عن الإنفاقِ عليه، لكنها اشترطَتْ على مَن يَتبنّاه أن يَعِدَها بأنَّ ابنها سيذهب للجامعة ويحصل على شهادة جامعية.
أريد هنا أن أوضّح نقطة هامة.. رغم أنه طفل مُتبنَّى، لكن المجتمع الأمريكي احتواه ولم يفرِّق في معاملته، فخرَجَ للحياةِ عبقريًا ذكيًا، قدَّم لمجتمعه الكثير.
نقطة ثانية.. أنَّ والد "ستيف جوبز" (من حيث الدم) سوريُّ الجنسية (غير مسلم).. وهنا أطرح سؤالاً: لو كان والده عاد به إلى بلده، هل كنا سنراه اليوم ناجحًا بالدرجة ذاتها؟!.. لا أقصد من سؤالي هذا أن أعيب سوريا أو أي بلد عربي، بل أعيب طريقة تعاملنا مع الأحلام وكيف نذبحها في بلادنا كلها!
أخيرًا، لو كان "ستيف جوبز" في أي بلد عربي، ولم يحصل على شهادته الجامعية، كيف كانت نظرة الناس والمؤسسات وموظفي الحكومة له؟!
من إجابات هذه الأسئلة، ستنبع طرق حَلّ مشاكلنا في بلادنا اليوم..
عودة إلى الخطبة التي ألقاها الناجح الشهير المتبنَّى الذي لا يحمل شهادة تخرُّج جامعية حتى اليوم!
للتوضيح، الترجمة بتصرُّف كبير، وليست حَرفيّة أو آليّة أو غبية!
***
أتشرَّف اليومَ أنْ أكونَ معكم في هذا الحفل، في رحابِ واحدةٍ من أفضل الجامعات في العالم.. ولأخبرَكم الحقيقة كاملة – مكاني هذا هو أقرب ما كنت فيه يومًا ما من التخرج من الجامعة، واليوم أوَدّ أن أخبرَكم عن 3 قصص مَرَرْتُ بها في حياتي.. نعم، هذا كل ما سأحكي لكم عنه؛ شيء ليس بالكثير...
القصة الأولى عن وصل النقاط معًا..
لقد تركت دراستي الجامعية في "كلية رييد" بعدما بدأت فيها بستة أشهر، لكني بقيت في رحاب الجامعة أحضر دروس العلم لمدة 18 شهرًا أو يزيد، قبل أن أترك التعليم الجامعي بالكلية، فلماذا فعلت ذلك؟
لقد بدأت القصة بمولدي، حين كانت أمي التي حملت بي شابة صغيرة، غير متزوجة رسميًا، خريجة جامعية، وقررَتْ أن تهبني للتبني عند ولادتي، بشرط أن يكون من سيتبناني خريج جامعة؛ الأمر الذي انطبق على محام وزوجته، لكن ما أن جاء موعدي وخرجت برأسي إلى هذا العالم، وتبيَّنَ أني ذكر، قرر المحامي وزوجه أنهما يريدان تبني فتاة، ولذا تخليا عني.. بعدهما جاء الدور على والداي بالتبني، واللذان تلقيا مكالمة هاتفية في منتصف الليل تسألهما: لدينا مولود ذكر، هل تريدانه؟.. وفورًا جاءت الإجابة، نعم.. فيما بعد، اكتشفت الأم الأصلية أن الأم بالتبني لم تتخرج من أي جامعة، بينما والدي بالتبني لم يكمل دراسته المدرسية.. هذا الاكتشاف جعل أمي ترفض توقيع أوراق منحي للتبني لعدة شهور، حتى وعدها والداي بإرسالي للجامعة حين يأتي وقت ذلك.
بعدها بقرابة 17 سنة، ذهبت فعلاً للدراسة في جامعةٍ اخترتُها بسذاجة، وكانت مصاريفها غالية تعادل تلك التي لـ"جامعة ستانفورد".. أخذَتْ تستنزف مدخرات والداي بالتبني.
بعد مرور 6 أشهر في الدراسة بهذه الجامعة، لم أستطع العثور على أي فائدة من هذه الدراسة، فلم أكن أعرف ساعتها ما الذي أريد أن أفعله في حياتي، ولم أعرف كيف ستساعدني دراستي الجامعية في معرفة هدفي في الحياة، وفوق كل هذا كنت أنفق كل مدخرات والداي.. ولذا قررت أن أترك الدراسة الجامعية الرسمية، على أمل أن تتحسن الأمور بعدها.. بكل صراحة، لقد كنت وقتها في قمة الخوف والرعب والقلق، لكني اليوم حين أنظر إلى هذا القرار، أجده صائبًا لأقصى درجة.
في اللحظة التي قررت فيها ترك مساري التعليمي الجامعي الإلزامي، بدأتُ أتوقف عن حضور دروس العلم التي لم أحبها، وبدأت أحضر المزيد من دروس العلم التي أحببتها ووجدت لها عندي اهتمامًا كبيرًا..
لم يكن الأمر رومانسيًا أو ورديًا حالمًا.. فبعد قراري هذا لم يكن لدي سرير أو غرفة في مهجع الطلاب، ولذا افترشتُ مساحة من أرضية غرفة صديق لي، وكنت أجمع زجاجات مشروب "كوكاكولا" الفارغة لأعيدها مقابل 5 سنت لأشتري بها طعامًا أقتاتُ به، وكنت أسير 7 أميال في ليلة كل يوم أحد لأذهب إلى معبد هندوسي يوزع وجبة طعام مجانية.. لقد أحببت هذه الطريقة في العيش، ولقد كان كل ما تعرَّفتُ عليه في هذه الفترة الزمنية من شبابي ذا أفضلِ الأثر عليَّ فيما بعد..
دعوني أعطيكم مثالاً على ذلك:
في هذا الوقت، كانت "جامعة رييد" الأفضل في أمريكا من حيث جودة دروس كتابة الخطوط الإنجليزية، ولهذا كان كل منشور وكل بطاقة في الجامعة مكتوبة بطريقة فنية جميلة ودقيقة.. لأني اخترت الانسحاب من التعليم الجامعي الإلزامي، أُتيحَتْ لي فرصة حضور دروس الخط هناك، لأتعلم فنون هذا العلم وأسرار هذا الفن، وتعلمت الكثير عن خط "سيرف" Serif وخط "سان سيرف"، وتعلمت عن قواعد احتساب المساحة الفارغة اللازم تركها بين كل حرف والتالي، الأمر الذي يساعد على الكتابة بشكل جمالي ومبهر.. كان الأمر جميلاً، تاريخيًا، بشكل يعجز العلم عن وصفه، ولقد تمتعت بكل لحظة منه.
وقتها، لم يكن لدراسة هذا الفن أي إمكانية للاستفادة منه في حياتي المقبلة، لكن بعدها بعشر سنوات، حين كنا نصمم أول حاسوب "ماكينتوش"، تذكرتُ هذه اللحظات الجميلة، وأعدنا تطبيقها كلها داخل نظام تشغيل "ماك"، والذي كان أول جهاز كمبيوتر يقدِّم نظام عرض للخطوط بشكل جميل وراقي.. لو لم أنسحب من مسار التعليمي الجامعي الإلزامي، لم يكن "ماك" ليقدِّم خطوطًا ذات مسافات متناسبة فيما بين حروفها.. ولأن نظام التشغيل "ويندوز" قلّدَنا ونسَخَ ما يقدمه "ماك"، فأغلبُ الظنِّ أنه لولا "ماك" لما قدَّم أي نظام كمبيوتر الخطوط ذات المسافات المتناسبة فيما بين حروفها.
لو لم أتخذ قراري هذا، لما تمكّنتُ من حضور دروس تعلم الخطوط، ولما كنت تعلمت هذا الفن الجميل، ولما كانت الحواسيب لتقدم نظام عرض الخطوط كما نعرفه اليوم!
بالطبع، لم أكن وقتها لأقدر على فهم الصلة ما بين هذه الأحداث وهذه النقاط في حياتي.. مرة أخرى، لا يمكنك وصل النقاط عندما تتطلع للمستقبل، بل فقط حين تنظر للماضي وتبحث عن النقاط والمحطات في حياتك، ولذا عليك أن تثق أن نقاط حياتك ستتصل معًا بشكل أو بآخر في المستقبل.. فقط عليك أن تثق في شيء ما: إحساسك الداخلي – قَدَرَك – حياتك – أعمالك الصالحة، مهما كنت لتعطيه من أسماء.
هذه الطريقة في التفكير لم تخذلني يومًا، وقد صنعت الفارق العظيم في حياتي.
القصة الثانية عن الحب، والخسارة..
لقد كنت محظوظًا؛ إذ عثرت على الحب في حياتي في سنٍّ مبكرة، حيث بدأت أنا وصديقي "واز" [كنية عن "ستيف وزنياك"] شركتنا "آبل" في جراج [مرآب] والدي حين كان عمري 20 عامًا.. عملنا وقتها بكل قوة، وفي خلال 10 سنوات، كبرَتْ "آبل" من شركة قوامها اثنين يعملون في جراج إلى شركة رأسمالها 2 مليار دولار يعمل فيها أكثر من 4 آلاف موظف... قبلها بعام، كنا قد أطلقنا أفضل منتج لنا، حاسوب "ماكنتوش"؛ وكنت قد أتممت الثلاثين من عمري.. ثم طردني مجلس إدارة "آبل"!
كيف يمكن لأحدهم أن يطردك من شركة أنت من بدأها وأسسها؟!
حسنًا، مع كبر حجم "آبل"، قمتُ بتوظيف شخصٍ ما [يقصد "جون سكالي"] كان الظن به أنه موهوب بما يكفي لقيادة الشركة بجانبي.. ومضت الأمور بيننا على ما يرام في السنة الأولى من توظيفه؛ بعدها اختلفنا وتعارضَت رؤيتي ورؤيته لمستقبل "آبل"، وبدأ هذا التعارض يتزايد حتى توجَّبَ على أحدنا أن يرحل.. اختار مجلس إدارة الشركة أن ينحاز لصف هذا الشخص.. وكان عمري وقتها 30 سنة، مطرودًا من شركتي التي وهبتها جُلَّ اهتمامي وتركيزي طوال شبابي، وكان لذلك الأمر الوقع المدمر علي.
لعدة شهور، لم أعرف ما الذي يجب عليَّ فعلُه بعدها.. شعرت وكأني خذلْتُ الجيلَ السابق من العصاميين ورواد الأعمال، وكأني أسقطتُ الشعلة أرضًا وهي تنتقل من يدهم إلى يدي.. قابلتُ "ديفيد باكارد" [أحد مؤسسي شركة HP] و"بوب نويس" [مخترع أول دائرة إلكترونية متكاملة IC ومؤسس شركة "إنتل"] واعتذرتُ لهما عن إخفاقي الشديد.. كنتُ وقتها أشهر فاشل في وسائل الإعلام، حتى أني فكرت جدّيًا في الفرار من "وادي السيلكون".. على أن شيء ما بدأ يهبط عليّ؛ فأنا لا زلت أحب ما أفعله.. تطوُّر الأحداث الدرامي في "آبل" لم يغيِّر ذلك الحبَّ داخلي، لقد حصلتُ على رفض، لكني لا زلت في حالة حبّ، ولهذا قرّرتُ أن أبدأ من جديد.
لم أَفْطِن للأمر وقتها، لكن الأيام التالية أوضحَتْ لي أنَّ طردي من "آبل" كان أفضل شيء يمكن أن يحدث لي.. ذهب عني العبء الثقيل للنجاح، وحلَّ مكانه سهولة وخفة البدء من جديد، ما حرَّرَني لكي أدخل في واحدة من أكثر مراحل حياتي إبداعًا وعبقرية.
خلال السنوات الخمسة التالية، أسستُ وبدأتُ شركة "نكست" NeXT، ومن بعدها شركة أخرى سمَّيتُها "بيكسار" Pixar.. ووقعتُ في حبِّ امرأة رائعة أصبحَتْ زوجتي الآن.
شركة "بيكسار" أبدعت أول فيلم رسوم متحركة جرى تصميمه وإنتاجه بواسطة الحواسيب في العالم: فيلم Toy Story أو "قصة دمية"..
والآن تعتبر "بيكسار" أنجح وأفضل ستوديو تصميم رسوم متحركة في العالم.
وفي تطور مذهل للأحداث، اشترت "آبل" شركةَ "نكست"، وعدتُّ إلى "آبل" في وظيفة المدير التنفيذي CEO وأصبحَتْ التقنية التي طورتُها في شركة "نكست" هي الأساس الذي بنَتْ عليه "آبل" نهضتَها ونجاحَها من بعدها، وأسَّستُ أنا و"لورين" -زوجتي- أسرة رائعة.
كلي ثقة أن هذه النجاحات لم تكن لتحدث لو لم يطردني مجلس إدارة "آبل".. لقد كان دواء ذا طعم مرير، لكني أؤمن أن المريض كان بحاجة ماسة له.. أحيانًا ترميك الحياة بحجر على رأسك، لا تفقد إيمانك ساعتها..
كلي ثقة كذلك أن الأمر الوحيد الذي جعلني أخرج من أزمتي هو حبي لما أفعله وأعمله.. عليك أن تعثر في حياتك على ما تحبه، سواء ما تحب عمله أو من تحب قضاء حياتك معه.. سيشغل عملك جزءًا كبيرًا من حياتك، والسبيل الوحيد لكي تكون راضيًا حقًا هو أن تفعل ما تراه عملاً عظيمًا، والسبيل الوحيد للعمل العظيم هو أن تحب ما تعمله.. إذا لم تعثر على ما تحبه، استمر في البحث عنه، لا تقنع بغيره.. فكما هو الحال مع جميع مسائل القلب، ستعرف ما/من تحبه حين تراه.. ومثلها مثل أي علاقة ناجحة، ستزداد العلاقة قوة وتحسنًا بمرور السنوات.. ولذا استمر في البحث عنه حتى تعثر عليه، لا تقنع بغير ذلك.
وأما القصة الثالثة فعن الموت..
حين كنت في السابعة عشرة من عمري، قرأت مقولة مفادها: "إذا عشتَ كل يوم كما لو كان آخر يوم في حياتك، فسيأتي يوم تكون فيه على حق".. تركَتْ هذه المقولةُ أثَرَها الكبير على نفسي.. ومن ساعتها، وعلى مَرّ 33 سنة خلت، وأنا أنظر إلى نفسي في المرآة كلَّ يوم وأسألها: لو كان اليوم آخر يوم في عمري، هل كنت لأوَدَّ أن أفعل ما أنوي فعله في يومي هذا؟.. وإذا كانت إجابتي هي "لا" على مَرّ عدة أيام، ساعتها كنتُ أدرك حاجتي لتغيير شيء ما.
عبر إبقائي لحقيقة أني سأموت قريبًا حيَّةً في ذاكرتي، كان ذلك الأداة الأكثر أهمية لتساعدني على اتخاذ القرارات الكبيرة في حياتي.. لأنه تقريبًا يخفِتُ كلُّ شيء في مواجهة الموت (التوقعات، والكبرياء، والخوف من الحرج والفشل) لتترك الأشياء المهمة حقًا لتظهر جلية..
بأن تداوم على تذكير نفسك أنك ستموت لَهُوَ أفضلُ سبيل لأن تتفادى الوقوعَ في فخِّ مَظنَّةِ أنَّ لَدَيك شيءٌ لتخسره فتخاف عليه.. أنت عارٍ بالفعل، ولن تجدَ سببًا مقنعًا لكي لا تتبع قلبك.
منذ قرابة عامٍ مَضَى [مضى على وقت إلقاء المحاضرة، ويقصد عام 2004م] جاء تشخيص مرض أصابني على أنه السرطان.. أجريتُ مسحًا طبيًا في 7:30 صباحًا، والذي أوضَحَ بشكلٍ ظاهر إصابتي بورم خبيث في البنكرياس، وكنت ساعتها لا أعرف ما هو البنكرياس.. أخبرني فريقُ الأطباء أن مرضي عُضال لا شفاءَ منه، وأن أمامي من 3 إلى 6 أشهر لأعيشها.
كانت نصيحة طبيبي أن أعود إلى بيتي وأرتب أموري، أو ما معناه أن أستعد لموتي.. كانت هذه النصيحة تحمل في طياتها أن أخبر أبنائي في بضعة شهور كلَّ ما كنتُ أظنُّ أنَّ أمامي عشر سنوات لأخبرهم خلالها بما أردتُّ قولَه لهم، وأن أجهِّزَ كلَّ شيءٍ لعائلتي حتى يصبحَ رحيلي سهلاً عليهم، وأن أودِّعَ الجميع.
عشتُ بهذا التقييم الطبي يومي كلَّه، ثم في المساء ذهبتُ لأخذ عيّنة من هذا الوَرَم لتحليلها، من خلال إدخال منظار من فمي وعبر حلقي إلى معدتي ومن ورائها أمعائي، ومن خلال إبرة اخترقت البنكرياس لأخذ خلايا من الورم الذي به..
كنتُ بالطبع مخدرًا لا أشعر بشيء، لكن زوجتي -والتي كانت حاضرة، تراقب هذا الإجراء الطبي- أخبرتني أنه حين نظَرَ الأطباءُ إلى هذه الخلايا المنتزعة مني تحت المنظار/ميكروسكوب، أخذ الأطباءُ بالبكاءِ فرحًا لأنَّ الورم كان من النوع شديدِ النُّدرة القابلِ للعلاج بالتدخل الجراحي.. أجريتُ العملية الجراحية، وأزلتُ الوَرَم.. وأنا بخير الآن.
كانت هذه الواقعة أقرب لقاء لي مع الموت.. وأرجو أن تبقى كذلك لعدة عقود مقبلة.. لكوني خرجتُ حيًا من هذه التجربة، أستطيع الآن أن أقولَ هذه النصيحة عن واقع خبرة؛ أكثر منها تشبيهًا مجازيًا أو فكرة تحاول تخيلها:
لا يريد أحد أن يموت، حتى من يريدون الذهاب إلى الجنة.. ورغم ذلك، فإنَّ الموت هو النهاية التي نشترك كلنا فيها.. لا تجد مَن فرَّ من هذه الخاتمة.. وهكذا كيف يجب للأمر أن يكون.. الموت هو ربما أفضل اختراع للحياة؛ فهو من وسائل الحياة للتغيير.. إنه يمحو القديم ليفسحَ الطريق للجديد.. في وقتنا هذا الجديد هو أنتم [يقصد طلاب الجامعة]، لكن في يوم قريب -ليس ببعيد- ستصبحون تدريجيًا القديم وتمحون من الطريق.. آسف لكون كلامي درامي حزين، لكنه عين الحقيقة.
وقتك محدود، لذا لا تضيعه في أن تحيا حياة شخص آخر.. لا تقع في فخ العيش وفق ما توصَّلَ إليه فكر الآخرين.. لا تدع الضوضاءَ التي تُحدِثُها آراءُ الآخرين تعلو فوق صوتك الداخليّ.. والأكثر أهمية من ذلك هو أن تكون من الشجاعة بحيث تتبع ما يمليه عليك قلبك وحدسك؛ هذان الاثنان يعرفان بصدق ما تريد أن تكون عليه.. وكل ما عداهما ثانوي.
حين كنتُ صغيرًا، كان هناك هذا الكتيب الرائع "كتالوج الأرض كلها" The Whole Earth Catalog، والذي كان من أمهات الكتب لجيلي من الشباب.. ألفه "ستيوارت براند" في مكانٍ ليس ببعيد من جامعتكم هذه، ووضع عليه لمساته الشعرية.. كان هذا في نهاية الستينات، قبل بزوغ نجم الحواسيب الشخصية والنشر المكتبي؛ أي كتبه باستخدام الآلات الكاتبة والمقصات وكاميرات "بولارويد" الفورية.. لقد كان بمثابة توفير خدمات موقع "جوجل" من خلال الورق، منذ 35 سنة قبل مجيء "جوجل" إلينا.. كان كتابًا مثاليًا، مليئًا بالأدوات الفنية والأفكار العظيمة.
وضَعَ "ستيوارت" ورفاقه عدة إصدارات من هذا الكتالوج...
وبعدما أخذ وقتَه، وحان وقت النسخة الأخيرة، اجتهدوا في تصميم العدد الأخير، في منتصف السبعينيات، حين كنتُ في عمركم، وكان الغلاف الأخير للعدد الأخير يحمل صورةً عرَضَتْ طريقًا زراعيًا جميلاً وقتَ الصباح، من النوع الذي كنتُ لِتحملَ حقيبتَك وتستوقف السيارات في الطريق لتأخذك إليه لو كنت من النوع المغامر... مع هذا المنظر الخلاب جاءت جملة تقول: "ابْقَ جائعًا، ابْقَ أحمق" Stay Hungry, Stay Foolish لتكونَ هي جملةُ الوداع منهم لقرائهم..
ابْقَ جائعًا، ابْقَ أحمق!
ولقد تمنيتُ لنفسي أن أكونَ كذلك.. والآن، وبينما تتخرجون لتبدؤون، أتمنى لكم الشيء ذاته: ابْقَ جائعًا، ابْقَ أحمق!
أشكركم جميعًا جزيلَ الشكر...
***
من وجهة نظري القاصرة، أرى "ستيف" يقصد بالجوع ذاك المعرفي، أي الجوع والنهم لتعلُّم وتجربة كلّ ما هو جديد.. بينما الحماقة قَصَدَ بها أن تخالِفَ توقعات التقليديين الخائفين من التغيير مِن حولِك، وأن تفعلَ ما يُمليه عليك قلبُك...
أهدي هذه المقالة لكلِّ من يتردد: عندي هذه الفكرة/المشروع/الخطة، فهل أنفذها أم أستمع لنصائح من حولي بألا أفعل؟
إنَّ الحياة قصيرة، وما هي إلا أيام وننتقل من ظهر الأرض إلى بطنها، وسيرحل عنّا كلُّ مَن نصحونا بألا نغامر أو نجرّب.. وسنلحق بهم، وسيلفّنا النسيان.. ولن يبقى لنا سوى أنفسنا وقراراتنا..
افعلها ونفّذها وأطلِقها.. ومهما كانت العواقب، ابتسم؛ فأنت تفعل شيئًا تحبه وتهواه..
نعم، المخاطرة والمغامرة قد تعود بالنتائج الوخيمة، لكن ما الأفضل: أن تأتي أزمة اقتصادية وتتركك بلا وظيفة أو مصدر دخل، أم أن تكون أنت السبب في ذلك؟
أين في التاريخ مَن اختاروا اللعب في المضمون وعدم المغامرة والمخاطرة؟!..
هل يمكنك أن تبلغَ الجانب الآخر من النهر، ما لم تترك الأرض وتقف على سطح القارب ليأخذك إلى شاطئ آخر لا تستطيع رؤيته؟
مرة أخرى.. القرار قرارك.. فلا تغامر ثم تلوم سواك إن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن.. لكن كذلك فكّر: ماذا لو لم تفعل؟
---
ترجمة : رءوف شبايك
الشكر موصول للزميل
Islam Najeh

0 تعليقاتكم:
Post a Comment