Showing posts with label قراءة في كتاب "فرج". Show all posts
Showing posts with label قراءة في كتاب "فرج". Show all posts

6- قراءة في كتاب "فرج"

Thursday, August 4, 2011
‫كتبت أمي:
عزيزتي ندى:

لابد أنك تذكرين تلك الليلة الغريبة التي استقال فيها جمال عبد الناصر في خطاب منقول مباشرة على التلفزيون. تذكرين بكاء أبيك، هذا أكيد، ولكنني لا أدري إن كنت تذكرين ما قاله لي أبوك عندما قلت له إنني لا أفهم لماذا يبكي على رجل وضعه في المعتقل خمس سنوات. صاح في أنني عمياء وغادر البيت. قد لا تذكري العبارة لكنه قالها. بالنسبة لي كانت هذه العبارة فاصلة ونهائية. كانت الخلافات بيننا والشجار المتكرر بالنسبة لي على الأقل، أمرا قابلا للتفاوض وإعادة النظر، خلافات لا تعني نهاية العالم أو علاقتنا. ولكنه عندما قال أنت عمياء عرفت فوراً أن العلاقة بيننا انتهت، لا ﻷنني غضبت من مسبة ألقاها في وجهي، بل لأنني أيقنت أنني لا أستطيع أن أرى ما يراه: وأعتقد أن هذه حالة تعني أن الانفصال قد حدث وأن أي إجراء لاحق لن يكون سوى تحصيل حاصل.

غادرت القاهرة بحقائب كثيرة ثقيلة لا أدري حتى الآن كيف استطعت حملها. كنت أغادر وحدي تاركة ورائي ابنتي الوحيدة والرجل الذي أجببته وعلاقة سكن عالمي فيها، تركتها ورائي كبيت دمره زلزال. ثم إنني كنت أحمل حقيبة أخرى أثقل ربما من الحقائب الأخرى. كنت أتساءل: هل أنا عمياء؟ وإن كنت عمياء فهل هذا العمى خلل في بنيتي لابد لي فيه أم أنني لم أعرف أو لم أدرب نفسي على الإبصار أو النظر؟ قد يبدو السؤال سخيفاً أو بلا كثير معنى، لكن السؤال ظل يلاحقني لشهور وربما سنوات. لا أعرف العربية. عشت في مصر سنوات ولم أتمكن من الحديث باللغة العربية فما بالك باتقانها. لم أفهم جدتك ولم أفهم عمتك، لم أفهم الجيران تماما، ولم يكن لي صديقة حميمة بين المصريات، كنت استلطف العديد منهن ولكني كنت أعيش ارتباكا غريبا لابد أن أحدثك عنه تفصيلا ذات يوم. أنا يا ندى فتاة قروية، ومن قرية حدودية بعيدة عن باريس. تعرفين ذلك. وتعرفين أيضا أنني من أسرة من الصيادين، أبي وأجدادي صيادون، أقصد لم نكن أبدا لا أغنياء ولا أصحاب شأن وأهمية (ربما جمعني بأبيك إحساس مشترك بالغربة، أعني للوهلة الأولى - ربما لا يكون كلامي دقيقا فقد استوقفني شكله الوسيم وهو أيضا قال إنه رأى فيّ بنتا جميلة، ولكنني متأكدة أن غربة ما جمعتنا). أحببت أباك فتزوجنا ورافقته إلى مصر. حتى الآن لم أفهم تماما نظرة الناس أو تعاملهم معي. وجدت نفسي فجأة في وضع غريب. لم أكن مادلين القروية التي عاشت في باريس الهامش تعمل في النسخ على الآلة الكاتبة بل مدام سليم الفرنسية زوجة الأستاذ الجامعي، وإن كان مسجونا. مدرسة اللغة الفرنسية في مدرسة معظم طالباتها من بنات الطبقة العليا. سلطة تلبستني فجأة، كأنها معطف ألقي به على جسدي. رأيت فرنسيات أخريات في مصر سعيدات بالمعطف، المعطف بالنسبة لي كان أقرب لمعطف من الشوك أو لنقل رداء غريبا يثير توتري إذ أنني لا أتعرف على نفسي فيه. لم يبق لي سوى علاقتي بأبيك. وحين قال إنني عمياء لم يعد هناك أي شيء يقتضي استمراري. رحلت لأكتشف بعدها أنه لم يعد لدي عالم، لا هنا ولا هناك. اكتشفت أنني لم أتخلص حتى بعد سنوات من انفصال، من الرجل الذي أحببته، أغضبني زواجه بامرأة أخرى، وأغضبني أكثر إنجابه منها. كان هناك ويحب ويتزوج وينجب ويظل رغم ذلك واقفا يحول بيني وبين الآخرين. لم أوفق في إقامة أية علاقة سوية برجل آخر. أفسد حياتي وهذه هي المفارقة، أفسدها بعض أن انفصلنا لا قبل ذلك. هذا حديث طويل على أي حال لا أريد الخوض فيه. أخذني التداعي فكتبت ما لا أريد وتورطت في الحديث عن أشياء لم ولا أريد تناولها بالحديث.

5- قراءة في كتاب "فرج"

‫أسألها عن رأيها في الحياة و استبق عبارتها التي عادة ما تظهر استنكاراً لا يحجب تهيؤها لحديث تستلمحه : أسئلتك غريبة يا بنت أخويا

تراوغ لحظات ثم تجيب :

الحياة واسعة و ضيقة .. لما نكون فيها نزرع ونقلع ونشيل ونحط ونروح ونرجع ونطلع وننزل ونحب ونكره ونحمل الهم وننتظر الفرج ،، تكون واسعة

و لأننا فيها عن يميننا ناس و عن شمالنا ناس و فوقنا و تحتنا ناس و الكل مهموم أو فرحان و الكل فيها .... تبقى واسعة

و لو وقفنا بعيد نقول ضيقة مثل خرم الأبرة ، و نقول يعني إيه نعيش عشان نموت و نبني البنا و نهايته هدد و نعمّر و الريح تاخد و نكّبر و نفتح كفوفنا نلاقيها فاضية

أنا بقول لما نعيشها نشوفها واسعة حتى لو ضاقت .. و لما نفكر فيها من بعيد نشوفها ضيقة و خانقة و بلا معنى و لا لزوم .

مثلاً لما اشتري كتاكيت و أبص عليها و هي صغيرة و أصفرها جميل و بتعافر و كل فرخ منها يرد الروح ،، أوكلها و أشربها و انضف حواليها و اصطبح بها كل يوم و أشوفها بتكبر .. قلبي يرفرف

طيب يا ندى لو فكرت إني إشتريت الكتاكيت عشان لما تكبر تندبح .. أذبحها أنا و غيري .. يبقى فرحة بيها و رفرفة قلبي عليها جنون

خلفة العيال مش زي الكتاكيت بس زيها .. يعني أحمل تسع شهور و روحي تتعلق بالولد و ربنا يختاره

لو الحياة مش واخداني لا أحبل بعدها و لا أولد و لا أربي و لا أكبّر

و لكنها بتاخدني ... تسحبني فأمشي معاها .. تراضيني فأرضى .. كرمني بعيل تاني و تالت .. و يجيي رابع يروح .. و لكن الخامس يبقى

كبيرة و ضيقة يا بنت أخويا .


ّّ~~~~

الاقتباس من اختيار : Hend Abou Emara
فالشكر موصول لها

http://www.facebook.com/photo.php?fbid=2​55768844449388&set=o.238490619505931&typ​e=1&comments

4- قراءة في كتاب "فرج"

‫كانت هي المرة الأولى التي نلتقي فيها بعد مغادرتها القاهرة قبل ذلك التاريخ بتسعة أشهر. حين فتحت ذراعيها على اتساعهما لاحتضاني فوجئت بمدى اشتياقي لها، واستغربت أكثر أنني لم أعِ ذلك في القاهرة، لم إعِ لا مدى تعلقي بها ولا قدر حاجتي لها، وكأنني تلقائياً كنت قررت أن أربط حزاماً كذلك الذي نستخدمه حين تبدأ الطائرة في الإقلاع فيثبِِّتنا إلى مقعد الطائرة، يسمّونه حزام الأمان. ربما كان التسليم بحاجتي لأمي ترفاَ لم أكن أملكه. بدا سفرها عادياً. كنت متوترة بعض الشيء، قابلة للانفجار السريع، وإن بقيت اللامبالاه هي السمة الغالبة في سلوكي ومشاعري (المشاعر المُعتَرَف بها على الأقل).


حين رأيتها في المطار فوجئت بسقوط سور لم أنتبه أصلا أنني أقمته وتمترست خلفه. ضممتها طويلاَ وبقوة، وفي طريقنا إلى خارج المطار أمسكت يدها بنفس تلك الطريقة التي كنت أمسكها بها وأنا طفلة، أشد على يدها أكاد أغرس أظافري في باطن كفها. هذه المرة لم تحتجّ.


في البيت، على مائدة العشاء فاجأني أمر آخر، لاحظته في المطار وإن لم أتوقف لانهماكي بفرحة اللقاء وانشغالي بما فاجأتني نفسي به من مشاعر، أو لأنني فسّرت الأمر بتأثرها لرؤيتي بعد تسعة شهور من الفراق. نعم لاحظت شحوب الوجه وأنا بعد أدفع بحقيبتي على العربية المعدنية، لاحظته عن بعد قبل أن أصل إليها وأضمها. ولكنها وهي تجلس في مواجهتي ونحن نتناول العشاء رحت أتأملها: كان الوجه ما زال شاحباً، ولم يكن شحوب الوجه هو وحده ما جد عليها. ماذا جد؟ هل يمكن أن يصاب المرء بالشيخوخة وهو في الخامسة والأربعين؟ هل يمكن أن يحدث له ذلك في تسعة أشهر؟

3- قراءة في كتاب "فرج"

‫لم يكتب أبي سنوات اعتقاله، ولا كان يحكي عنها. وربما كان اهتمامي بكتابات السجن الذي بدأ بجمع المتاح حول معتقل الواحات، مصدره رغبتي في معرفة تفاصيل حياة أبي في السنوات الخمس التي عشت فيها مٌغتربة عنه، الزنزانة التي يقيم فيها، الفراش الذي ينام عليه، الأكل الذي يتناوله، الممر الذي يسلكه خروجاً أو دخولاً، نوع العمل الذي يُطلب منه القيام به وعلاقته بزملائه وسجَانيه. كان خيالي فيما يخص أبي محصورا في ذكرياتي عنه قبل اعتقاله وبعد خروجه من المعتقل، وبينهما فراغ لا يقطعه سوى لقاء عابر في حجرة رثة في مبنى كئيب نصله بعد رحلة شاقة نهنئ بعضنا بنهايتها حين يلوح لنا عن بعد في الأصفر الصحراوي الأجرد.

طوال خمس سنوات، كان خيالي مشردا يبحث لنفسه عن مكان يحٌطٌّ فيه.
وعندما بدأت كتابات السجن في الصدور تباعاً، رحت أقرأها بنهم، أملأ فراغات الخيال، أعمرها بالملموس المعين وإن كان جارحا كأسلاك شائكة. كانت المعرفة على قسوتها تمنحني أماناً يستعصي في وجود هذه الهوة في الخيال، تقيم للذاكرة جسراً تعبر عليه من مرحلة إلى مرحلة، وتصل ما انقطع من حكاية ندى وتاريخها الشخصي، وتعيد لها أباها كاملاُ، رغم كل شيء.‬

2- قراءة في كتاب "فرج"

‫بدا الأمر صعبا على الفهم وإن كان بداية للإدراك والمفاضلة، مفاضلة شغلتني في السنوات اللاحقة وتسببت في العديد من المواقف المربكة. ولم أكن وحدي في ذلك لأنني أذكر أن منى أنيس وكان والدها الدكتور عبد العظيم أنيس زميل أبي، كلاهما أستاذ جامعي وكلاهما معتقل في نفس السجن، أسرت لي أن ابناً من أبناء عبد الناصر زميلها في الفصل. قلت لها أريد أن أتعرف عليه لأسأله لماذا يضع والده آباءنا في السجن، وإن لم يكن يعرف نقول لابنه فيعرِّفه. لم يتح لمنى أن تعرّفني على الولد، كانت مدرستها في منشية البكري ومدرستي في جاردن سيتي. ولكنها نقلت لي باستفاضة ما دار في الفصل بينها وبين المدرسة. قالت منى: " سألت المدرسة أمام الفصل كله 'من الأفضل أبي أم أبوه؟' ولما لم تجب المدرسة قالت منى: "بابا أستاذ في الجامعة وحاصل على الدكتوراه، وكان يدرس في جامعة لندن، ولما بريطانيا اعتدت على مصر، عمل مظاهرات في انجلترا، وترك عمله هناك وقال أرجع بلدي أساعدها. وأبوه ضابط، حارب في حرب فلسطين صحيح وقام بالثورة، لكنه لا يحمل شهادة دكتوراه ولم يدرس في جامعة لندن! أبي متعلم أكثر ويفهم أكثر!" وألحت منى أن تشهد المدرسة أمام كل التلاميذ أن والدها هو الأفضل. ولكن المدرسة قالت: إن هذا لا يجوز، لأنكم هنا كلكم أولادي ولا يصح أن أقول فلان أحسن من فلان، ولا والد فلانة أفضل من والد فلان.
أسألها بدهشة لا تخلو من انبهار: قلت ذلك في الفصل، أمام كل الأولاد والبنات؟ تضع منى ساقا على ساق ويعلو صوتها أكثر وتقول: قلت ، وتفصِّل الحكاية. فيزداد تطلعي إليها. كانت تكبرني بثلاث سنوات، أطول مني بشبرين، وحين أقول إنها صديقتي أشعر بقدر من الزهو كأن هذه الصداقة تضيف إلى جسدي الطفل شيئا من طولها، وتمنحني بعضا من سلطة معارفها. كانت تعرف أشياء كثيرة وتتحدث باستفاضة عما تعرف فأنظر إليها بإعجاب وثقة بوصفها الأكثر فهما ومعرفة والأقدر على تفسير المعضلات أو حلها.‬

1- قراءة في كتاب "فرج"

‫أقول أنني لم أتعرف على أبي لأن ذلك ما أكدته لي أمي طوال شهور تالية، وهذا ما كان أبي يحكيه في سنوات لاحقة بعد ذلك، يضحك كأنها نكتة، لكن رعشة في طرف عينه اليسرى كانت تفصح عن شيء آخر. كيف يسجل العقل ما جرى وأي منطق يقلب ذاكرة اللقاء ويحملني إلى تصور معكوس لما حدث؟ طوال الشهور المتلاحقة اعتقدت أن أبي هو الذي لم يتعرف عليّ. وفي كل مرة بكيتُ فيها (لأن أمي وبختني أو لأن المدرسة عنفتني أو لأن لعبة أحبها انكسرت بين يديّ) يحيل البكاء تلقاياً إلى أن أبي لم يعرف أنني ندى، وأنه لا يريدني. أكرر العبارات مع تصاعد النشيج‬

قراءة في كتاب "فرج"

معا سوف نقرأ ،، رواية "فرج" لرضوى عاشور
ونورد منها اقتباس يومياً باذن الله :)

وصف الرواية ::
في سرد روائي جذاب تقدم رضوى عاشور سيرة ندى عبد القادر التي عاشت تجربة ثلاثة أجيال من المساجين؛ أبيها الأستاذ الجامعي، ثم هي شخصيًا، ثم أخيها الذي لا يتجاوز عمر ابنها المفترض. كما تعيد قراءة الستين عامًا الأخيرة بحروبها التي لم تكن أولاها في 1956 ولا أخرها في 2006، مازجة كل هذا - وبعمق - مع مقولات وحكايات مثقفين مصريين وفرنسيين قاوموا هزائمهم، وآخرين قتلتهم الهزائم ذاتها