2- قراءة في كتاب "فرج"

Thursday, August 4, 2011
‫بدا الأمر صعبا على الفهم وإن كان بداية للإدراك والمفاضلة، مفاضلة شغلتني في السنوات اللاحقة وتسببت في العديد من المواقف المربكة. ولم أكن وحدي في ذلك لأنني أذكر أن منى أنيس وكان والدها الدكتور عبد العظيم أنيس زميل أبي، كلاهما أستاذ جامعي وكلاهما معتقل في نفس السجن، أسرت لي أن ابناً من أبناء عبد الناصر زميلها في الفصل. قلت لها أريد أن أتعرف عليه لأسأله لماذا يضع والده آباءنا في السجن، وإن لم يكن يعرف نقول لابنه فيعرِّفه. لم يتح لمنى أن تعرّفني على الولد، كانت مدرستها في منشية البكري ومدرستي في جاردن سيتي. ولكنها نقلت لي باستفاضة ما دار في الفصل بينها وبين المدرسة. قالت منى: " سألت المدرسة أمام الفصل كله 'من الأفضل أبي أم أبوه؟' ولما لم تجب المدرسة قالت منى: "بابا أستاذ في الجامعة وحاصل على الدكتوراه، وكان يدرس في جامعة لندن، ولما بريطانيا اعتدت على مصر، عمل مظاهرات في انجلترا، وترك عمله هناك وقال أرجع بلدي أساعدها. وأبوه ضابط، حارب في حرب فلسطين صحيح وقام بالثورة، لكنه لا يحمل شهادة دكتوراه ولم يدرس في جامعة لندن! أبي متعلم أكثر ويفهم أكثر!" وألحت منى أن تشهد المدرسة أمام كل التلاميذ أن والدها هو الأفضل. ولكن المدرسة قالت: إن هذا لا يجوز، لأنكم هنا كلكم أولادي ولا يصح أن أقول فلان أحسن من فلان، ولا والد فلانة أفضل من والد فلان.
أسألها بدهشة لا تخلو من انبهار: قلت ذلك في الفصل، أمام كل الأولاد والبنات؟ تضع منى ساقا على ساق ويعلو صوتها أكثر وتقول: قلت ، وتفصِّل الحكاية. فيزداد تطلعي إليها. كانت تكبرني بثلاث سنوات، أطول مني بشبرين، وحين أقول إنها صديقتي أشعر بقدر من الزهو كأن هذه الصداقة تضيف إلى جسدي الطفل شيئا من طولها، وتمنحني بعضا من سلطة معارفها. كانت تعرف أشياء كثيرة وتتحدث باستفاضة عما تعرف فأنظر إليها بإعجاب وثقة بوصفها الأكثر فهما ومعرفة والأقدر على تفسير المعضلات أو حلها.‬

0 تعليقاتكم:

Post a Comment