قراءة في كتاب جدد حياتك -8

Tuesday, October 25, 2011


ليس فى استطاعتنا أن نتحمس لعمل مثير ونحس القلق فى الوقت نفسه ٬ فإن
واحدا من هذين الإحساسين يطرد الآخر

وهذا القانون البسيط هو الذى مكن الأطباء النفسيين الملحقين بالجيش أن يأتوا بالعجائب فى خلال الحرب ٬ عندما كان يأتى إليهم الجنود الذين ضعضعت الحرب أعصابهم ٬ كانوا يقولون: أشغلوهم بعمل ما إن الفراغ فى الشرق يدمر ألوف الكفايات والمواهب ٬ ويخفيها وراء رُكام هائل من الاستهانة والاستكانة ٬ كما تختفى معادن الذهب والحديد فى المناجم المجهولة !!. ويستتبع هذا الإهدار الشنيع لقيمة العمل والوقت مصائب لا حصر لها فى الأحوال النفسية والاجتماعية والسياسية.

يروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: إنى لأرى الرجل فيعجبنى ٬ فإذا سألت عنه فقيل: لا حرفة له ٬ سقط من عينى .
وفى الحديث: ` إن الله يحب المؤمن المحترف ` . فلا جرم أن شعوبا بأسرها تسقط من عين الله ٬ وتسقط من أعين أهل الجد والإنتاج لأنها لا عمل لها ٬ استهلكها الفراغ وأسلمها للفناء ..

وعندى أن العلة الأولى لتخفف الأمة العربية والشعوب الإسلامية ما غلب على أحوالها النفسية والاجتماعية من قعود واستكانة وتقاعس. ويستحيل أن تحرز هذه الأجيال الغفيرة من البشر سهما من نجاح فى الدنيا أو فلاح فى الأخرى إلا إذا تغير أسلوبها فى الحياة ٬ وامحت من ربوعها آثام البطالة .. والفراغ

قراءة في كتاب جدد حياتك -7



إن المعلومات النظرية التى لم ينقلها العمل من دائرة الذهن إلى واقع الحياة تشبه الطعام الذى لم يحوله الهضم الكامل إلى حركة وحرارة وشعور . وهذه المعلومات تبدأ مبتسرة مهوشة مهما أجيد
تصويرها.

ولذلك ترى الجنود وطلاب المعاهد العسكرية يتلقون الحصص المقررة ٬ ثم يمرون بعدها فى مرحلة المناورات التى تمثل جانبا من الحياة العامة . ومع ذلك فخبرة هؤلاء ٬ ولصوق الفن الحربى فى أنفسهم دون مستواه عند من خاضوا المعارك وذاقوا أهوال القتال .

وكذلك تعلم الصلاة ٬ إن الأمر يبدأ دروسا تقرع الآذان ٬ ثم يحاول التلميذ أن يقيم الصلوات المكتوبة كما تعلمها ٬ أما أن يتعلم هو من صلاته الخشوع والإخلاص والتسامى فذاك يجىء بعد إقبال المصلى على ربه ٬ وإتقانه الطويل لشكل الصلاة ولموضوعها جميعا . إن العلم الناشئ عن العمل هو خلاصة المران والتجربة.
فى مجال التربية والإصلاح لابد أن تتطور المعلومات إلى اكتمال نفسى واجتماعى ٬ ولا يقبل من أحد أن يقف عند حدود القول مهما كان بليغا ٬ ولا عند حدود الشرح مهما كان مستفيضا . إذا أمرت بالخير فافعله أولا ٬ وإذا نهيت عن شر فاسبق إلى البعد عنه ٬ ثم اجتهد أن يتحول أمرك ونهيك إلى حقائق حية فى المجتمع ٬ بحيث يكون تغيير المنكر وإقرار المعروف غايات بينة يراد إيقاعها بكل وسيلة ٬ وبأقصر وقت .

إن تعشق الكمال قد ينتهى إلى حسن الحديث عنه ٬ وقد يكتفى عشاقه بسرد تفاصيل دقيقة عن مسائله وقضاياه . ثم يطوى الأمر كله دون نتيجة فعالة . كما تموت الأمانى الحلوة فى نفوس الكسالى .

وقد كره الله عز وجل هذا اللون من السلوك الناقص لأنه أقرب إلى الادعاء ٬ ولأن أصحابه يقصرون وهم أبصر من غيرهم بمواطن الرشد : “يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون “

إن الوقوف بالإصلاح المنشود عند حد الكلام المرسل والمقترحات المبتوتة يفتح أبواباً مخوفة للجدل الطويل ٬ وللثرثرة القاتلة للوقت والجهد

قراءة في كتاب جدد حياتك -6



والخطوة التالية لجمع الحقائق استشعار السكينة التامة فى تلقيها ٬ وضبط النفس أمام ما يظهر محيرا أو مروعا منها ٬ فإن الفرق من الأحداث ينتهى حتما بالغرق فى لجتها

وحياة عدد كبير من القادة والأبطال تحفل بالمآزق التى لم ينج منها إلا تقييد الرهبة وإطلاق العقل.

عندما أوشك القتال أن ينشب فى حرم مكة بين المسلمين والمشركين ٬ والتفت عوامل الاستفزاز بالنبى وصحبه وهم بالحديبية يريدون العمرة ؛ كظم النبى على ما أحس به من حزن ٬ وأمر أصحابه أن يطرحوا الريبة والهم ٬ وأن يقبلوا معاهدة تصون الدماء وتنشر الأمان على ما بها من قيود تعنتهم .

وفى ذلك نزل قول الله : “إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما” . وكلمة السكينة هذه تكررت فى مواضع كثيرة ٬ وهى حيثما وجدت تشير إلى ما يبثه الإيمان فى النفوس من طمأنينة مرجعها الأنس بالله ٬ والركون إلى قضائه ٬ والاستظهار بعونه كلما راب أمر أو أظلم أفق .

قد يجد المرء نفسه أمام سلسلة من الفروض المقترحة للخروج من أزمة طارئة ٬ وقد يقلب النظر فيها فيجد أن أحلاها مر ٬ وقد يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار ٬ وقد يدور حول نفسه لا يرى مخلصا ٬ أو يرى المخلص فادح التضحية . ومثل هذه الأفكار القاتمة تتكاثر وتتراكم مع ضعف الثقة بالله وبالنفس .

أما المؤمن فهو يختار أقرب الفروض إلى السكينة والرشد ٬ ثم يقدم وهو لا يبالى ما يحدث بعد ذلك ٬ وعلى لسانه هذه الآية : “ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا و على الله فليتوكل المؤمنون “

. وما أكثر أن تتبخر خواطر السوء ووساوس الضعف ٬ ويتكشف أن الإنسان يبتلى بالأوهام أكثر مما يبتلى بالحقائق ٬ وينهزم من داخل نفسه قبل أن تهزمه وقائع الحياة : “الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم"


والى هذا يشير المتنبى بقوله : وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى وما الأمن إلا ما رآه الفتى

قراءة في كتاب جدد حياتك -5



إن الطلب الجميل تكسب الحلال فى سماحة ورفق ٬ واطراح الحرام فى زهادة وأنفة ٬ ثم تجىء بعد ذلك بقية تعاليم الإسلام القائمة على الإيمان بالله ٬ والتصديق بلقائه ٬وإيثار ما عنده ٬ ومعرفة قدر الدنيا بالنسبة إلى الأخرى . ثم معرفة قدر الله جل شأنه بالنسبة إلى ما عداه .

إن هذه المعرفة تنفى الأحزان عن صاحبها ٬ وتذر فى فؤاده ثقة تغمر يومه وغده بالراحة والرضا : “الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب* الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب “ . أجل. طوبى لهم ٬ إنهم سعداء بيقينهم وإخلاصهم واستقامتهم على النهج الذى رسمه الإسلام لهم.

` طوبى لمن طاب كسبه ٬ وصلحت سريرته ٬ وكرمت علانيته ٬ وعزل عن الناس شره. طوبى لمن عمل بعلمه , وأنفق الفضل من ماله ٬ وأمسك الفضل من قوله.. ` . إن جماهير غفيرة من الرجال الذين تظلهم حضارة الغرب محرومون من هذه الوداعة .

يقول ` ديل كارنيجى `: “لقد أثبت الإحصاء أن القلق هو القاتل “رقم 1” فى أمريكا ٬ ففى خلال سنين الحرب العالمية الأخيرة قتل من أبنائنا نحو ثلث مليون مقاتل. وفى خلال هذه الفترة نفسها قضى داء القلب على مليونى نسمة. ومن هؤلاء الأخيرين مليون نسمة كان مرضهم ناشئا عن القلق وتوتر الأعصاب.. نعم إنمرض القلب من الأسباب الرئيسية التى حدت بالدكتور `ألكسيس كاريل ` إلى أن يقول: إن رجال الأعمال الذين لا يعرفون كيف يكافحون القلق يموتون مبكرين . وقلما يمرض الزنوج فى أمريكا أو الصينيون بأمراض القلب ٬ فهؤلاء أقوام يأخذون الحياة مأخذا سهلا لينا. وإنك لترى أن عدد الأطباء الذين يموتون بالسكتة القلبية يزيد عشرين ضعفا على عدد الفلاحين الذين يموتون بالعلة نفسها ٬ فإن الأطباء يحيون حياة متوترة عنيفة ويدفعون الثمن غاليا “ . أجل فإن القلق والهم يحطمان العمالقة ٬ ويذبلان الوجوه الطافحة بالحياة

براري الحمى - ابراهيم نصر الله



بعينيك المتعبتين، كنت ترقب حركة العتمة، هي حركة العتمة، أم حركة الضوء؟ غامضة، ناعمة، دقائق متحركة من السواد، تفرق فيها، ربما كنت تلمح شيئاً في داخلها يتحرك، شيئاً يشبه الوضوح، ولكنه ليس الضوء، يشبه الضوء ولكنه ليس النهار، يشبه النهار ولكنه ليس الشمس. أحكمت الغطاء حول جسدك، صدرك قدميك، أما رأسك فقد كان خارج مساحة الدفء في المحيط اللانهائي من المجهول، الحياة في العينين، وحجرات الدم متقدة في الجبين والبحر ينساب تحت الثياب، موجات صغيرة وادعة، بعد أن هدأت الزلازل في العظام والخلايا، تذكرت فاطمة، فأوشكت أن تظن بأنك عرفتها في أرض غير هذه الأرض، وأن العباءة التي سقطت عن رأسها وكتفيها في ذلك اليوم هي هذا الليل الطويل الذي ينتصب بينك وبينها، لعلها الليل. 
بيدك المرتجفة التي أصبحت أكثر برودة عندما أخرجتها من تحت الغطاء حاولت أن تمسك بطرف الليل، وتلقي بالعتمة بعيداً، ولكن يديك عادتا فارغتين، تكاد مفاصلهما أن تتحجر كالثلج، وأن تنكسر". في سردياته يخلق إبراهيم نصر الله جغرافية تخيلية مرعبة تلغي التاريخ والهوية والزمن، كما تلغي ثنائية الواقع والوهم أو الحلم، هناك يملك الإنسان تاريخاً شخصياً، أو هوية متميزة، بل أنه وبشكل فاجع لا يملك حتى موته الخاص. وفي هذه الرواية الكابوس تتفجر اللغة متشظية، متوترة، مجترحة تخترق الصفحات كالآسنة المشتعلة في عالم يعد ممكناً للبطولة بالمعنى الذي تحمله في الرواية الكلاسيكية

قراءة في كتاب جدد حياتك -4



وعندما يبقى الفكر يقظاً على هبوب الأخطار ٬ وعندما يظل المرء رابط الجأش يقلب وجوه الرأى ابتغاء مخلص مما عراه ٬ فإن النجاح لن يخطئه . ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ` إنما الصبر عند الصدمة الأولى `.

وقد يتوقع الإنسان بعض النوازل المخوفة ٬ ويستبد به القلق فى انتشارها ٬ وكأنما هى الموت أو أشد . وربما لم يهنأ له طعام ولا ارتسم على فمه ابتسام من تفكيره المشدود إلى ما يتوقع.
والناس من خوف الفقر فى فقر ٬ ومن خوف الذل فى ذل !!.

وهذا خطأ بالغ. فالمؤمن الراشد يفترض أن أسوأ ما يقلقه قد وقع بالفعل ٬ ثم ينتزع مما يتبقى له بعد هذا الافتراض عناصر حياة تكفى ٬ أو معانى عزاء تشفى ٬ على نحو ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ` لتعز المسلمين فى مصائبهم المصيبة فى ٬ إنهم لن يصابوا بمثلى ` .

أجل فقد كانت حياته لهم بركة ما تُعوَّض ٬ ثم حم القضاء وذهب ٬ فكل مصاب بعده هين. إن الإنسان يتخوف فقدان ما ألف ٬ أو وقوع ما يفدح حمله ٬ وكلا الأمرين بعد حدوث هيستقبل دون عناء جسيم .

أعرفُ رجلا قطعت قدمه فى جراحة أجريت له ٬ فذهبت إليه لأواسيه ٬وكان عاقلا عالما ٬ وعزمتُ أن أقول له: “إن الأمة لا تنتظر منك أن تكون عداء ماهرا ٬ ولا مصارعا غالبا ٬ إنما تنتظر منك الرأى السديد والفكر النير ٬ وقد بقى هذا عندك ولله الحمد” . وعندما عدته قال لى: “الحمد لله. لقد صحبتنى رجلى هذه عشرات السنين صحبة حسنة ٬وفى سلامة الدين ما يُرضى الفؤاد” .

وقد نقل لنا ` ديل كارنيجى ` هذه النصائح: “أعدوا أنفسكم لتقبل الحقيقة فإن التسليم بما حدث هو الخطوة الأولى فى التغلب على المصائب. وهذه الحكمة `لوليم جيمس`

أحدب نوتردام - فيكتور هوجو


" أحدب نوتردام " لـ فيكتور هيجو .. أدهشني هذا الروائي البارع في وصف مشاهده .. رغم أنه يكتفي بلمحات السريعة في وصف الأماكن و الأبطال .. إلا أنه قادر ببراعة على تطويع تلك اللمحات بطريقة تجعلك تشعر أنك ترى الأبطال .. تراهم بكل وضوح .. بل إنه عندما كان يصف الضجيج في بداية الرواية .. شعرتُ به .. شعرتُ به لدرجة أنه انتقل لعقلي و قدرتي على التركيز في مشاهد الرواية 

الرواية تروي وقائع قديمة تسبق زمان كتابتها .. و العصير القديم مثير لذاته .. فهو براح لا قيود على الخيال فيه .. فما بالك وقد أضاف له هيجو جوانب لا حصر لها من المغامرة و التشويق .. من أروعها لحظة ما عند منتصف الرواية .. تجد فيها تفاصيل شرق الرواية و غربها توحدت في مشهد تدهشك حبكته و براعة صياغته 

و الرواية تتحدث عن الاضطهاد و الظلم .. من خلال أحدب نوتردام .. المشوه المخيف .. الذي يصفه أسوياء الخلقة حوله بالوحش .. و من خلال أحداث الرواية تجد نفسك تتساءل : من في هذه الرواية كان الوحش ؟ و من كان فيها الإنسان ؟ 

هي مغامرة إنسانية مدهشة .. لكني عندما فرغت منها عرفت من أين استلهمت الأفلام الهندية معظم قصصها و أحداثها !