" مواطنون لا ذميون " هو جملة منطقية .. لن تصل إلى المنطق الكامن وراءها إلا عندما تقرأها كاملة ، و إن اكتفيت بقراءة جزء منها .. فإنه فضلاً عن إنك ستفهم معنىً منقوصاً ، فإنه سيكون مغلوطاً
فالمنطق يستدعي البدء بالأحداث التاريخية لفهم جذور العلاقات بين المسلمين و المسيحين ، و عندما يكون التاريخ في كثير من وقائعه منصفاً للمسلمين ، فلا أدري أهو من سوء حظ الكاتب .. أن تكون البداية الصحيحة لموضوعه قد تخلق دافعاً لقراءة الكتاب بعين الرفض أو النقد على أقل تقدير ، عند قارئ يطمح لرؤية محايدة ( خصوصاً و أن الكاتب مسلم مهتم بالشأن الإسلامي ) .. أم هو ذكاء من الكاتب أن يبدأ بداية مثيرة للإهتمام يتسلل بعدها لعرض رؤاه المحايدة و المنصفة للحق أيا ما كان صاحبه .. مسلمون أو مسيحيون .. أو أمة مصرية .. مسلمة و مسيحية
و من ثم فإن كل إسهاب في وصف الحقوق الأصيلة لغير المسلمين في الإسلام – الدين و التاريخ أحياناً - .. هو إسهاب لا يعني بأي حال تحميل المسيحية مسؤولية التعصب أو التجاوز .. و لكنه إسهاب في سبيل تصحيح الفكر الإسلامي من جهة ، ثم تقويم صيغة البناء الأمثل لهذه الأمة المصرية من جهة الأخرى .. و الذي يتأثر بالغ الأثر بالصيغة الإسلامية له
و هو – الكاتب – في عرضه لتلك الصيغة ينتقل بنا من فكرة لأخرى كما العازف الذي ينقلك من أعلى السلم الموسيقى لأدناه دونما أن تشعر .. يبحر بك لمنتهى أعماقه دونما أن يرهقك الغوص .. و إذ تنتنبه فجأة لعمق النقطة التي أوصلك إليها .. تتساءل في انبهار : ما كل هذه الحكمة و المنطق .. ما كل هذا التناغم بين الأفكار و صياغاتها .. بين مقدمات الفصول و نهاياتها ؟؟
فهو يبدأ بنا ( بعد العرض التاريخي ) بأسس المواطنة التي أرساها الإسلام .. ففي الأوطان التي تسكنها أغلبية مسلمة ، غير المسلمين ليسوا ( آخرين ) بل هم ليسوا مجرد ( أهل ذمة ) و ليسوا نزلاء في الوطن عليهم دفع ثمن إقامتهم ( الجزية ) ، و إنما هم " شركاء أصليين في الأوطان .. حيث يكون الوطن ملكاً للجميع .. سواء الذين يدافعون فيه عن العقيدة ، أو الذين يدافعون فيه عن التراب " ..
ثم يحدثنا في واحد من أهم و أجمل فصول الكتاب عن القانون و المنطق الإسلامي الذي يحكم العلاقة بين الأغلبية و الأقلية .. القانون الذي يمكن تطبيق خطوطه العريضة على أي مجتمع متعدد الملل ، و سواء كانت الأغلبية للمسلمين أو لغيرهم .. و الذي يمكن تلخيص تفاصيله في تعبير حكيم للكاتب ، قال فيه : " إن احترام قيم و مشاعر الأغلبية لا يعني بالضرورة انتقاصاً من حقوق الأقلية ، و ينبغي ألا يكون على حسابها في كل ماهو جوهري و أساسي ، لأن الشرط المفترض هنا أن تكون حقوق الأقلية مصانة ، غير مهدورة بأي صورة من الصور "
ثم ينتقل بنا إلى لوحة جميلة ، فيها الإسلام شمساً تنير العالم بنور السلام .. لا تخلو من حجة و رد على الشبهات المظلمة ( و التقليدية ) التي تثار من وقت لآخر حول الإسلام و السيف .. فالمسلمين كما يقول الكاتب " دعاة لا بغاة " و كما يقول في موضع آخر " يقول تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) إن هذا البيان العسكري الأول في التاريخ الإسلامي يحدد بوضوح حيثيات و مبررات قرار إعلان الحرب ، فالمسلمون لم يشهروا سيوفهم منذ اللحظة الأولى إلا لأنهم ( ظلموا ) و ( أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ) " .. ثم هو لا ينكر أن ثمة حروب إسلامية قامت في سبيل مصالح أخرى غير سبيل الله .. لكنه يبرهن بالقرآن و التاريخ أن تلك الحروب تظل إستثناء من قاعدة الدعوة بالحكمة و الموعظة الحسنة ..
و أخيراً و أولاً و بينهما .. أخذنا الكاتب إلى قراءة موضوعية لاجتهادات السابقين و آرائهم .. و التي يكفينا لنقدها – أي الاجتهادات - هذا التغير الجذري في الأزمان و الأحوال الذي طرأ على واقع المسلمين .. فتلك اجتهادات تنظم حال دولة الإسلام عندما كان المسلمون سادة العالم .. يخطب البعض ودهم .. يعاديهم البعض الآخر ممن هم أقل مكانة .. و يصارعهم البعض الأخير على السيادة .. أما اليوم .. فهم أعداداً محسوبة على البشرية ، لا وظيفة لهم أكبر من استهلاك ما ينتجه العالم !
أنهيت الكتاب .. و كلي شعور برقي الإسلام .. هذا الدين الذي يقر مبادئ المساوة و العدل .. و الحرية .. حرية الإعتقاد و الفكر .. رددت و كلي شعور بعقلانيته و عالميته " أشهد ألا إله إلا الله ، و أشهد أن محمداً رسول الله " ..
0 تعليقاتكم:
Post a Comment