Showing posts with label رضوى عاشور. Show all posts
Showing posts with label رضوى عاشور. Show all posts

جولة في ثلاثيّة غرناطة -18

Tuesday, October 25, 2011


بعدَ أيّام عدنا إلى ركوب الجمال فحملتنا إلى المدينة المنوّرة , زرتُ الروضة الشريفة وَ قبر رسول الله , كانَ الناس يدعون وَ يتضرّعون من حولي وَ همْ يبكون , ثمَّ يجفّفونَ دمعهم وَ يذهبون .
قضيتُ في المدينة ثلاثينَ يوماً بلياليها جاورتُ فيها قبرَ المصطفى فما جفَّ لي دمع. أدعو الله أقول : بشفاعةِ نبيّك فكَّ كربتنا وَ غربتنا وَ خلّصنا من بطشِ القومِ الظالمين , أدعو ساحة السحر وأدعو والشمس قدّاحة , وَ في المساء أدعو , أعود في اللّيلِ إلى المنزل لأنام فيستعصي عليَّ النّوم لأنَّ قلبي منشغلٌ بالدعاء

جولة في ثلاثيّة غرناطة -17



تدخلها فتتبدد مشقة السفر , تسبقك روحك إلى البيت العتيق , تراه قبل أن تراه , تلقاك أسراب الحمام تسبّح بحمدِ ربّها محلّقة في فضاء البيت , تقترب منك ثمَّ تعود تطير , ثمَّ رأيت الكعبة , والوصف يا إخواني يعجز عنه اللسان . لا عينٌ رأت ولا قلبٌ أحسّ بما يحسّه المرء وهو في حضرة كعبة الله الراسحة في المكان , لا تزحزحها نوائب الدهر ولا تقدر عليها , لا شيءَ في حضرتها سوى الرّهبةِ والجلال , تتذلّل أمامَ ببابها لله فتتعالى على الكونِ وَ أنتَ تردّد الله أكبر , تقولها وتسمعها من حولك من آلاف البشر. كيفَ احكي وَ عنْ أيِّ شيءٍ من الأشياء أحكي , عن مقامِ سيّدنا ابراهيم أم عن السّعي بين الصفا والمروة , تتذكّر أمّنا هاجر وهي تسعى ملهوفةً على صغيرها تبحثُ له عن قطرة ماءٍ فيكرمها الله بماءِ زمزم . في اليوم الثامن من ذي الحجّة صعدتُ إلى منى , وَ في التاسع منه إلى عرفات , كّرتُ وَ صلّيتُ وَ ذبحتُ مع غيري من العبادِ الأضاحي , طوّفت بالكعبةِ سبعة أشواط وَ رميتُ على ابليسٍ الجمرات, تسعٌ وَ أربعون من الحصى ألقيْتها على ابليس !!

جولة في ثلاثيّة غرناطة -16



لمْ ينقش غرناطة وَ لا البيازين , مالت السكّين في يده تحزّ خطا مقوّسا ثمّ خطا مقوسا غيره , كانَ ينقل الصورة التي أمامه ويقلّدها . ضغط أكثر فتعمّق الحزّ حفرا وَ تحدّدت القبتان , لماذا ينقش المكان البعيد ؟ ما الذي تعنيه له القدس ؟ نجمة مضيئة في السماء !!
أم يجرّب يده لتدريبها قبل أن يشرع في تصوير غرناطة ؟
جاءهم الروم وَ غزوا أرضهم تماما كما حدث لنا , وَ لكنّهم طردوا الصليبيّين , فلماذا استطاعوا ما لم نستطعه وَ كيف اسطاعوه ؟ هلْ كانوا يفوقننا عزما أمْ أنَّ الجوابَ في سؤالٍ يختلف ؟ ترى ما الذي حدثَ بالتفصيل هناك ؟ لمْ يجد من يحكي له الحكاية كلّها من البداية للختام ,, وَ هو لا يعرف سوى أنَّ صلاح الدينِ طردهم من القدسِ مرّة , وَ لكن للحكاية بقيّة فمن يحكيها له ؟ لماذا رجحت الكفّة في المشرق وَ هنا خفّت الموازين ؟ هل بنا عيبٌ ليس فيهم , أمْ أنّ مصيبتا أنّنا مقطوعون بالبحر , لا مصرَ جارتنا , وَ لا حولنا عراقٌ وَ لا شام ؟؟

جولة في ثلاثيّة غرناطة -15



لم يتح لعليٍّ تأمّل اللوح إلا بعد عودته إلى داره , ميّزته عيناه واستوقفه الشكل المنقوش عليه ما إن وضع الحاج بينهم تلكَ التذكارات , وَ لمّا اختلى بنفسه أمسكه وَ أمعن النظر فيه , كانَ لوحا مستطيلا في حجم كفّين مبسوطتين, خشبيّا أملسا نقشت عليه قباب القدس وَ مآذنها , الأقصى وَ الصخرة يعلو كلا منهما هلال , وَ في الخلفيّة كنيسة خلفَ برجها الوحيد الصليب , أطال النظر في اللوح ثمّ فكّر في صنعِ لوحٍ مماثل عليه رسم غرناطة , أبراج الحمراء وَ أسوارها المشرفة على مجرى حدرّه تقطعه القناطر , أو عليه رسم البيازين.

جولة في ثلاثيّة غرناطة -14




قامَ الحاج وَ تغيّبَ لحظات , ثمّ عاد حاملا منديلا مصرورا وضعه أمامهم , فتحه وَ أمسك بخمس زجاجات صغيرة بها سائل رائق شفّاف قال: هذه من ماء زمزم ,
وَ تلك ,, أشار إلى أخرى السائل فيها أقل شفافية وَ يميلُ إلى اصفرار , " تلكَ بها عطورٌ من زهور رشيد " .
وَ هذه الخواتم وَ المسابح من الحجاز , أمّا تلك فَمن مصر , وهذا اللّوح الصغير من خشب الزيتون , اشتريته من القدس .... تذكارات صغيرة , تفضّلوا ليأخذ كلٌّ ما يشاء .

أربعة أخذوا ماءَ زمزم , وَ واحد أخذ مسبحة وَ الآخر خاتما فضيّا , أمّا عليّ فمدَّ يده إلى اللّوح الخشبيّ الصغير , وَ سأل الحاج على استحياء : هل تسمح ؟؟


جولة في ثلاثيّة غرناطة -13




- هل في القدسِ نصارى ؟
- فيها , وَ فيها من أقباطِ مصر والأحباش والهنود وَ السريان وَ اليونان , وَ يأتيها من بلاد الروم كلّ عامٍ حجّاج
- يصلّونَ في الكنائس ؟
- لمْ أرَ كنائسَ كثيرة , وَ لكنّي شاهدتُ كنيسة القيامة وَ كنيسةَ الأرمن وَ بعض الأديرة , في كنيسة القيامة تجتمعُ الطوائف المسيحيّة على اختلافها للصّلاة , كذلك يقصدها الحجّاج ويحتفلون بها في المواسم الدّينيّة والمناسبات .


جولة في ثلاثيّة غرناطة -12



للقدسِ سورٌ عتيق وَ عشرة أبواب , وَ تحيط بها جبالٌ مغروسة بعروق الزيتون , فهم مثلنا يكثر عندهم الزّيتون , وَ مدينة القدس جميلة وَ صغيرة , طرقاتها مبلّطة وَ بعضها مسقوف , والدّور فيها مشيّدة بالحجر الأبيض المنحوت وَ هيَ ملتحمة متكاتفة كالبيوت عندنا.
وَ الحرم القدسيّ الشريف رحبٌ وَ واسع , يقعُ المسجد الأقصى في الصدر منه , له قبة مرتفعة مزيّنة بالفسيفساء وَ أعمدة من رخام . أمّا مسجد الصخرة ففريدٌ بين الفرائد , بديعٌ في شكله مدهش , في داخله الصّخرة التي عرج منها النّبي – صلى الله عليه وَ سلّم – إلى السّماء معتليا البراق , قبّة المسجد مغشية بالذهب وسوارها وَ جدرانها كلّها رخام مزيّن بالفسيفساء الملوّنة

جولة في ثلاثيّة غرناطة -11



مال برأسه على وجهها فلم يشعر بأنفاسها . هل ماتت ؟
دفع الفكرة بعيدا , ضمَّ جدته إلى صدره وانغلقت ذراعاه أكثر على جسدها الملفوف بالصوف , وواصل السير , ولكنَّ جسدها كان ثقيلا بين يديه لا يختلج بأية علامة من علامات الحياة .
ماتت جدتك يا علي ,, ماتت مريمة في العراء !!
واصل المشي كأن شيئا لم يحدث , ثمَّ فجأةً توقف , تسمرّت قدماه في الأرض وصاح بأعلى صوته : " ماتت جدّتي !! "

تفاوضت النساء مع الحراس بشأن الماء , أعطوهنَّ ما طلبنه على أن يحسب من نصيب القافلة. ملأن الجرار والتففن حولَ مريمة في دائرة مغلقة , وَ سرت في القافلة همهمات وَ تمتمات وَ نتف من بكائيات , وَ آيات من الكتاب المحرّم.

حفر عليّ مع بعض الرجال قبرا ثمَّ حملَ جدّته إلى الشقِّ الغائر في الأرض , مال بها وَ وسّدها التراب , وكانَ شيخٌ رخيم الصوت يردّد بصوتٍ خافت : " يا أيّتها النفس المطمئنة , ارجعي إلى ربّك راضيةً مرضيّة , فادخلي في عبادي , وَ ادخلي جنّتي " .. صعد عليٌّ ثمَّ أهالوا على الجسدِ التراب .

جولة في ثلاثيّة غرناطة -10



في وحشة سجنك ترى أحبابك أكثر, لأن في الوقت متسعًا, ولأنهم يأتونك حدبًا عليك في محنتك, ويتركون لك أن تتملى وجوههم ما شئت وإن طال تأملك

جولة في ثلاثيّة غرناطة -9



ثمّ يأتي موسم الزيتون , يخرج الصغار و الكبار , الرجال والنساء يقضون نهارهم منذ شروق الشمس حتى المغيب , هناك عند الشجر المثقل بثمره العميم , يحرّكه الرجال بالعصيّ , فتتساقط الحبات على الأرض وعلى الرؤوس , ينزل الله على خلقه منَ السماء ماءً , وينزل عليهم من ثمرِ كدّهم وعرقهم الزيتون , بسم الله ما شاء الله .
يجمعونه في السلال والأكياس , ينقلونه إلى المعصرة , تدور , فتمتلئ الجرار .
للدار منها نصيب وَ لسيّد الأرض نصيبٌ يأخذه بلا حقٍّ فلا بارك الله فيه , ثمّ تحمل البغال الثمار إلى السوق فييعون بحمد الله ويقبضون

تدقُّ حبات الزيتون بالحجر , تنقله إلى وعاء , تسكب الماء المغلي عليه , وحين يبرد الماء تدعكه دعكا كالعجين , تنقيه من البذور وتهرسه بيديها , ثمّ تحفن بالكفين الزيت من لى وجه الماء , " ذق يا أبا العيال " ,, " تفضّلوا يا جيران " ..

تغنّي النساء وَ تنطلقُ أصوات الرجال بالمواويل , ثمّ يمسكون عصيّهم ويرقصون , تراقبهم النساء من وراء مشربيات الدور ومن على الأسطح وخلف الأبواب المواربة ,, وَ تقع الصبايا في الحبِّ في موسم الزيتون.

جولة في ثلاثيّة غرناطة -8



كان المكان ظليلا وَ رطبا وَ ملوّنا ينبتُ من بين شقوق حجارته العشب وَ زهور البر , صفراء وَ ورديَة وَ حمراء , هتفَ عليّ : " يا الله ! " , فَتردّد الصّدى عالياً في المكان .
كرّر النّداء " يا الله ! " , فعلا بعدَ صوته الصوت , صاح : " يا جدّتي ! " ,
نادى : " يا مريمة ! " , ثمَّ علا صوتهُ أكثر وَ هوَ ينادي : " يا غرناطة ! " ,,
ينادي ثمَّ يسمعُ صوته يتردّد في رجع النداء , ثمَّ جلسَ منهكاً وَ سالتْ دموعه , ثمَّ علا صوته بالنّشيج ..

جولة في ثلاثيّة غرناطة -7



سقطتْ غرناطة يا حسن , وَ لكن منْ يدري , قدْ تعودُ على يديْكـَ بـِ سيْفكـ , أوْ قدْ تكتبُ حكايتها وَ تسجّلُ أعلامها , لا أريدُ ورّاقاً مثلي يا ولد , بلْ كاتباً عظيماً كَـ ابن الخطيب يسجّلونَ اسمكَـ مع غرناطة في كلِّ كتاب

جولة في ثلاثيّة غرناطة -6



- هل تعلم يا نعيم ما هي الدوافع التي حركت كولون ودفعته للإبحار والمخاطرة ؟
- اكتشاف أرض جديدة يا سيدي
- لم يكن ذلك إلا وسيلة يا ولدي , وسيلة لتحقيق حلم سامٍ نبيل يتلخص في هدفين جليلين لا ثالث لهما : أنْ ينشر كلمة الرب بين من لم تصل إليهم من قبل فيضمهم إلى أحضان الكنيسة , وَ أن يحصل على الذهب ليجرّد حملة صليبية إلى الأراضي المقدسة تفتح القدس وَ تستعيد قبر السيّد المسيح من أيدي من يكفرون به
- ولكنَّ المسلمين لا يكفرون بالمسيح يا سيدي القس

كانت العبارة قد أفلتت منه بلا تفكير ولم يمكن بالإمكان سحبها , حدجه الأب ميجيل بنظرة صارمة وقال له :
- بل يكفرون به

جولة في ثلاثيّة غرناطة -5



يشدون وثاقك إلى ذلك السلم الخشبيّ .. ويضخون الماء في جوفك , ماء الله الزلال , الذي تطلبه نفسك حلالا , يدخلك نارا موقدة .
تمتلئ , تنتفخ , تختنق , تستعصي الصرخة ولكنها تلح فتطلع حشرجة كأنما هي الروح تخرج في عناء .
يحدقون بك . العيون مصمتة , والوجوه مصمتة , وقلوبهم مدرعة بالثياب السوداء .
الأسياخ المحمّاة تحرق باطن قدميك , والحجارة الساخنة تلهب ظهرك وبطنك وعجزك , والآلة الخشبية تختزل جهنم في دولابها الضاغط الذي يسحق عظامك ,فتخور كثـــور ذبيـــح ...
والقلب في بيت القلب يعتصر كأنما تقبضه يد الموت ويموت .
يحدقون فيك ولا يرف لهم جفن .
يلقون بك في قبو وحدك لا تقدر حتى على البكاء , وعندما تقدر تذرف الدمع الغزير , ليس لأن البدن يوجع ولكنك تبكي على تلك المزق الآدمية التي تعرف أنها أنت , تبكي على حالك وعلى هجر حبيب في الزرقاء العالية تركك وحدك تصطلي بنار لم يعد الله بها قومه الصالحين .
وحدك في سجنك المظلم تحاصرك الوحشة ولا ضوء سوى ذؤابة شمعة ذابلة يرتعش معها على الجدار طيف المحقق الذي يلازمك وإن غاب , خيال يعظم خطه الصاعد مائلا إلى الجدار , وبعد شهور ينقلونك إلى حيث يتبدد شيء من وحشة روحك .
يصير لك رفاق يسكنون قبو أيامك ولياليك .
تأتلف القلوب المحزونة , طاقة ضوء في عتمة الجدار

جولة في ثلاثيّة غرناطة -4



صيف غرناطة عروق زيتون تحمل ومشمس مغناج يلوح وَ يخفى بين خضرة الأوراق ورمان كتوم يجمع حلاوته على مهل قبل أن ينفرط بين أيدي آكليه وَ تعريشات دوالٍ وَ أشجار جوز وَ لوز وَ كستناء تظلل الطرقات , وَ ماء دافق ينحدرُ من قمم الجبال مقبلا على الوديان ضاحكا ومكركرا

جولة في ثلاثيّة غرناطة -3




أيّتها المدينة
قلبي على كفّي إليكِـ أحمله
وَ قرطبة وَ اشبيليّة
لكـِ مهرٌ في العرسِ أدفعه
وَ أزيدُ عليهما طوقاً من لؤلؤِ المحار


فتجيبه غرناطة ::

احفظ هداياك
يا ملك ليون الظيم
تزوّجتُ منذ زمان
وَ منحني زوجي أطفالا
وَ صانَ عهدي



** مقطع من أغنية قشتالية

جولة في ثلاثيّة غرناطة -2



توافد الناس على ساحة المسجد وتربعوا في صفوف متراصة يتطلعون وينظرون , ثمَّ ظهر الكاردينال خيمينيث في ثوبه الأسود الضافي ,واتّجه في خطوات مشدودة وئيدة إلى الرواق الشرقي حيث وضع مقعد كير فخم جلس عليه .

تطلع إليهم وتطلعوا إليه ثمَّ صفق بيديه فدخلَ حرّاس أربعة يحيطون بـِ رجلٍ شديد النحول يرتدي ملابس رثّة . كانَ مقيّد اليدين وَ القدمين مطأطئَ الرأس متعثرَ الخطى

تهامس الناس :
هل هذا حامد الثغري ؟؟ ... هل يعقل أن أن يكونَ حامد الثغري ؟؟ ... ليسَ حامدا !!
- إنّه هو
قالها رجل من مالقة حاربَ معه , وَ تناقل الناس العبارة بين الصفوف " أبو علي المالقي تعرّف عليه " , " هلْ تعرف عليه ؟ " , " منْ تعرّف عليه " , " أبو علي المالقي !! "

أشار الكاردينال بيديه الكبيرتين وأصابعه الدقيقة إلى الحراس ففكوا قيود الرجل
قال الكاردينال :
- الآن يا حامد قلْ للناس ما رأيت ..
نظر حامد إل الحشد ثمّ أطرق , ثمَّ عاد ينظر نظرة زائغة مضطربة .
كتمَ الناس أنفاسهم ,, قالَ حامد :
- بالأمس ...
قال أحد الحراس : ارفع صوتك
تنحنح حامد وَ شدَّ قامته بعض الشيءِ وَ رفع صوته :
- بالأمس , وَ كنتُ في سجني , رحتُ في النوم , وَ ...
تلعثمَ سعل ثمَّ واصل :
- و أنا نائم بالأمس جاءني هاتف قال لي يا حامد يريد الله لك ...
توقف ومرّت لحظات من الوجوم بدا فيها أنَّ الرجل لمْ يعد لديه ما يقوله

أغمض عينيه , قال :
- يريدُ لك أن تتنصّر وَ هذه إرادة الله وَ مشيئته ..
ساد صمت مطبق حتى بدا المكان المكتظ بمئات البشر مهجورا , اقتاد الحرّاس الثغري بعيدا , وَ جفل الناس حين صدحت موسيقى الأرغن في لحنٍ كنائسي تردد في أرجاء المسجد

قال سعد :
- بنا يا أبا جعفر , بنا يا أبا منصور , لنعدْ إلى البيت .
التفت إلى إبي جعفر فراعته دموع تنسال غزيرة من عينيه كأنه ولد صغير

كرر سعد وهو يحيط كتف أبي جعفر بذرعيه :
- قم بنا يا جدي !!
و لكنّ أبي جعفر أومأ برأسه إيماءة خفيفة وأشار بيده لسعد الذي فهم أنه يريد البقاء .

دخل الحراس مرة أخرى ومعهم حامد الثغري وقد فكوا قيوده , كانوا قد غسلوا له وجهه وصففوا له شعره وألبسوه ثوبا من الحرير , مشى الثغري باتجاه مقعد الكاردينال بخطى ثقيلة غير متزنة وكأنه ما زال مقيدا , ركع عند قدمي خيمينيث الذي تناول كأس التعميد من يد أحد معاونيه , غمس أطراف أصابعه في الكأس وَ نثر شيئا من مائه على رأس حامد وهو يتمتم كلماته المقدسة

اختار حامد لنفسه اسم جونزاليز فرنانديز زِغْرى

جولة في ثلاثيّة غرناطة -1



ثلاثية غرناطة هي ثلاثية روائية تتكون من ثلاث روايات للكاتبة المصرية رضوى عاشور وهم على التوالي :
غرناطة
مريمة
الرحيل

و تدور الأحداث في مملكة غرناطة بعد سقوط جميع الممالك الإسلامية في الأندلس، وتبدأ أحداث الثلاثية في عام 1491 وهو العام الذي سقطت فيه غرناطة بإعلان المعاهدة التي تنازل بمقتضاها أبو عبد الله محمد الصغير آخر ملوك غرناطة عن ملكه لملكي قشتالة وأراجون وتنتهى بمخالفة آخر أبطالها الأحياء عليّ لقرار ترحيل المسلمين حينما يكتشف أن الموت في الرحيل عن الأندلس وليس في البقاء.